زوايامختارات

وقد أدْمَنَ ترامب عِبادة الهجوم.. العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

 

تُعد سيادة السلطة السياسية المدنية على القيادة العسكرية مبدأ أساسيًّا في دستور الولايات المتحدة، وهو مبدأ متجذر في نظام الحكم الأمريكي لدرجة أنه نادرًا ما يدور النقاش حوله.

ولكن منذ أن تولى الرئيس دونالد ترامب منصبه في العام 2017، حافظت إدارته على نحو منهجي على عملية تقويض القواعد التي دعمت هذا المبدأ الدستوري على مدى أجيال.

دأبت إدارة ترامب على إعلاء الأصوات العسكرية على أصوات الموظفين المدنيين ذوي الخبرة في تطوير السياسة الخارجية، كما أن استقطاعات التمويل من الوكالات الفيدرالية غير الدفاعية، بالإضافة إلى استقالة العديد من الموظفين المدنيين المهنيين، أدت إلى وجود فراغ كبير في المكاتب الحكومية.

نتيجة لذلك، آلت عملية تخطيط السياسات وتوجيه المبادرات الدفاعية الإستراتيجية -التي كانت تاريخيًّا من اختصاص كبار موظفي الخدمة المدنية- إلى من يرتدون البزات العسكرية. وأصبحت السلطة المدنية على القوات المسلحة الآن أضعف من أي وقت مضى نحتفظ به في الذاكرة الحية، كما أن إدارة ترامب تشتبك على نحو متزايد مع العالم بطرائق تعكس التفضيلات العسكرية.

أمريكا تخاطر

أصبحت السياسة الخارجية الناجمة عن ذلك تذكرنا على نحو مخيف بحالة “عبادة الهجوم”: الثقة المفرطة في التفوق العسكري الهجومي التي يمكن أن تؤدي إلى تصعيد سريع، وهي الثقة التي يُعتقد على نطاق واسع أنها قد ساهمت في اندلاع الحرب العالمية الأولى. وحال عدم استعادة السيطرة المدنية على الجيش، فإن الولايات المتحدة تخاطر بالسير في أثناء النوم في طريقها إلى حرب عالمية أخرى.

عندما مُنحَ القادة المدنيون، السلطة على القيادة العسكرية، لم يكن واضعو الدستور الأمريكي يمنحون المسؤولين المنتخبين بعض واجبات الرقابة فحسب، بل كانوا ينشئون نظامًا يقوم فيه التخطيط الدفاعي على الاحتياجات المدنية، وينفذ الجيش أنشطته العسكرية في خدمة الأهداف المدنية.

ومنذ الإعلان عن خطة ترامب المدنية “أمريكا أولاً” في بداية حملته الرئاسية لعام 2016، رأى العديد من مراقبي السياسة الخارجية الأمريكية أن هذه الأجندة تمثل خطرًا أصيلاً على الأمن القومي.

والأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لأولئك المهتمين بإحداث استقرار دائم في العلاقات المدنية-العسكرية، أن العديد من مرشحي المناصب الحكومية الذين قبلتهم الإدارة الجديدة كانوا ضباطًا عسكريين، مثل الجنرال جيمس ماتيس، والجنرال جون كيلي، والجنرال جنرال إتش آر ماكماستر.

صفقة فاوستية

بعد أن تولى ترامب مهامه الرئاسية، عقدت مؤسسة الأمن القومي صفقة فاوستية: في محاولة لتحجيم الرئيس الجديد، وجهت أنظارها إلى الاتجاه الآخر حيث جرى تعيين أعداد غير عادية من الضباط العاملين والمتقاعدين في مناصب مخصصة عادة للخبراء المدنيين.

وبوصفهم “أناسًا مسؤولين عن الموقف”، كان هؤلاء المسؤولون العسكريون المهنيون يأملون حماية التحالفات الأمريكية وتقييد أسوأ الاندفاعات لدى ترامب. وعلى الرغم من أن القليل من هؤلاء الضباط يشكك في مبدأ السيطرة المدنية، فإن تفسيرهم الضيق لدور الرقابة المدنية يعني أن النطاق الأوسع للتوجيه المدني أصبح نوعًا من الأضرار الجانبية في السعي لاحتواء الفوضى.

منحت هذه الصفقة السياسية الضباط العسكريين الأكثر خبرة في أعلى مستويات الإدارة، والذين عملوا معًا لعقود من الزمن، ميزة طبيعية على نظرائهم المدنيين.

لقد منحهم عملهم معًا لغة مشتركة، والأهم من ذلك، أعطاهم وجهة نظر متبادلة سمحت لهم –بسهولة- بتهميش الدخلاء المدنيين مثل وزير الخارجية ريكس تيلرسون، ووزيرة الأمن الداخلي كيرستين نيلسن، ولاحقًا وزير الدفاع مارك إسبر.

وفي حالة تعيين قادة في المستويات العليا للحكومة، فإنهم يزودون مؤسساتهم بأشخاص يثقون بهم لتنفيذ خططهم. وبينما يمتلك معظم القادة المدنيين شبكات مهنية متنوعة يعتمدون عليها في عملهم، يميل الضباط العسكريون المهنيون إلى معرفة عدد قليل من الأشخاص المؤهلين خارج منظومة المحاربين القدامى. نتيجة لذلك، شغل العديد من المناصب الأدنى في إدارة ترامب ضباطٌ عسكريين متقاعدون.

داخل مكتب وزير الدفاع، يواصل الضباط النظاميون تنفيذ المهام المدنية. وعلى الرغم من أن بطء التوظيف وصعوبات البقاء قد لعبا دورًا، فإن تفضيل وزير الدفاع ماتيس، المعترف به، لضباط الجيش على الموظفين المدنيين خلال فترة خدمته أدى إلى تفاقم الخلل. وعندما عيّنت الوزارة موظفين مدنيين، كانت تضعهم في كثير من الأحيان في أدوار “تمثيلية” ذات صلاحيات ضئيلة وتأثير أقل.

كانت النتيجة هي أن الضباط العسكريين العاملين في الجيش طوروا وشرّعوا سياسة لوزير الدفاع، بحيث لا تعكس هذه السياسة بالضرورة أولويات المدنيين في الإدارة. وفي الواقع، لاحظت لجنة إستراتيجية الدفاع الوطني المكونة من الحزبين الديمقراطي والجمهوري في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2018 وجود “عدم توازن في العلاقات المدنية – العسكرية بشأن القضايا الحاسمة المتعلقة بتطوير الإستراتيجية وتنفيذها. ويبدو أن الأصوات المدنية غير مسموعة نسبيًّا بشأن القضايا التي تقع في صلب سياسة الدفاع والأمن القومي الأمريكية”.

منظورات مختلفة للعالم

ينظر الضباط العسكريون والموظفون المدنيون إلى الشؤون الخارجية بنحو مختلف. يميل الضباط العسكريون إلى افتراض أسوأ النوايا والقدرات من أجل استعداد أفضل للتهديدات المحتملة. وعندما يُطلب منهم أن يتصرفوا، فإنهم غالبًا ما يفضلون الحلول التي تمكنهم من بدء الهجوم. وعندما تغيب الآراء المدنية في هذه العملية، فإن التفضيلات العسكرية هي التي تشكل الإستراتيجية الأمنية بطرائق تعكس هذه التحيزات المؤسسية تجاه العمل والمواجهة. ومع تراجع السيطرة المدنية على القوات المسلحة الأمريكية، هيمنت هذه التفضيلات العسكرية بنحو متزايد على السياسة الخارجية الأمريكية. وبالتالي، أدى عدم التوازن الحالي في العلاقات المدنية – العسكرية إلى أجندة سياسة خارجية فاقمت من حدة التوترات الدولية، وأغلقت السبل أمام الدبلوماسية المثمرة، وزادت من مخاطر التصعيد غير المتعمد أو حتى الحرب العرضية.

لقد صاغ ماتيس وماكماستر إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة لعام 2017 وإستراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018. وقد عرّفت هذه الإستراتيجيات المسألة الأمنية بنحو شبه حصري من حيث المنافسة بين القوى العظمى والجهات الحكومية الفاعلة، مؤكدة على التهديد الصيني على وجه الخصوص. تتعامل الإستراتيجيات إلى حد كبير مع العالم على أنه منافسة صفرية المحصلة يكون فيها الحفاظ على التفوق أكثر أهمية من التعاون من أجل المنفعة المتبادلة.

جيمس ماتيس

وبالتالي، فإن الإستراتيجية الأمريكية الحالية تصفي معنى البيئة الجيوسياسية المتغيرة بنحو حصري تقريبًا، من خلال التصورات العسكرية للتهديدات. وفي حالة نشوب حرب مع الصين أو روسيا، سيواجه الجيش مهمة عسيرة في بحر الصين الجنوبي أو في دول البلطيق. وهكذا، تكون المهمة الأساسية إذًا هي تطوير الإستراتيجيات وبناء القدرات التي من المرجح أن تربح مثل هذه المواجهة بأقل تكلفة ممكنة.

لكن هذه الإستراتيجيات يمكن أن تكون لها عواقب وخيمة. فمع تركيزهم على “العمليات المتكاملة عالميًّا”، يطوّر كبار القادة العسكريين إستراتيجيات عسكرية انتقامية تؤكد على قضية الاستجابة السريعة ويمكن أن تؤدي إلى تصعيد سريع، ما يحدّ بنحو فعّال من خيارات الهيئات السياسية مثل مجلس شمال الأطلسي في حالة نشوب صراع. ومن خلال تصنيف الصين رسميًّا على أنها دولة “مراجعة”، يفترض ماتيس وماكماستر عدائها، ما يجبر صانعي القرار على البدء من الفرضية القائلة إن الأساليب الدبلوماسية غير ذات جدوى وإن اتخاذ الإجراءات الوقائية هي الطريقة الوحيدة لاحتواء طموحات الصين.

افتراضات الجيش الأسوأ

يحتاج القادة العسكريون إلى معطيات مدنية من أجل التخفيف من هذه المخاطر. لأن وجهات النظر العملياتية العسكرية تفضل العمل الهجومي، في حين أن المسؤولين المدنيون يقفون في موقف أفضل يسمح لهم بالتعبير عن عيوب مثل هذه المقاربة، لئلا يصبح القلق بشأن نشوب حرب بين القوى العظمى نبوءة تتحقق ذاتيًّا.

يسعى الجيش بطبيعة الحال لتحديث واكتساب منظومات تسليح جديدة. واستجابةً لهذه الرغبة، انسحبت إدارة ترامب من 3 اتفاقيات رئيسة على الأقل للحد من انتشار الأسلحة، ويبدو من غير المرجح أن تجدد معاهدة “ستارت” الجديدة مع روسيا. ولكن دون الحد من انتشار التسلح، لا تخاطر الولايات المتحدة بإطلاق سباقات التسلح فحسب، بل تفقد أيضًا الشفافية في أنظمة وقدرات خصومها ونواياهم. عندئذ، يجب على صانعي القرار تبني افتراضات الجيش الأسوأ في حالة حدوث أزمة، ومن المرجح أن يخطئوا في تقدير الموقف.

تؤدي الأولوية العسكرية في البحث عن أسلحة أكثر فتكًا وتطورًا إلى زيادة مخاطر استخدام وانتشار الأسلحة النووية. وقد دعت وثيقة “مراجعة الوضع النووي لعام 2018” إلى تطوير ونشر أسلحة نووية منخفضة القوة ردًّا على نية روسيا المزعومة لإحداث هجوم نووي محدود في النزاعات الإقليمية. ولكن عن طريق الحصول على أسلحة نووية مصممة خصوصًا للاستخدام في ظروف مختلفة وأوسع بكثير من المخزون الحالي، خفّض الجيش فعليًّا عتبة استخدام الأسلحة النووية، وهي حقيقة لم تغب عن قادة الكونجرس خلال جلسات الاستماع بشأن الوثيقة.

إضافة إلى ذلك، وبينما تعمل الولايات المتحدة على تحديث ترسانتها النووية، قد تشعر الدول التي لديها مخزونات ضعيفة بالحاجة إلى زيادة الاستثمار في برامجها النووية، وزيادة مخزوناتها والاستثمار في قدرات الضربة الثانية.

وقد اقترحت الولايات المتحدة تطوير منظومات أسلحة جديدة قادرة على تفكيك البرامج النووية الناشئة. لذلك قد يستنتج بعض الدول أن حالة الكمون النووي –وهي القدرة على تطوير برنامج أسلحة نووية من البرامج السلمية القائمة- لم يعد رادعًا كافيًا، واختار إستراتيجية الانتشار بدلاً من ذلك. كما أن الولايات المتحدة تسارع حتى الآن لإدخال أسلحة تفوق سرعة الصوت في ترسانتها. ولا تخدم مثل هذه الصواريخ أي غرض دفاعي بالأساس، ويؤدي تطويرها إلى سباق تسلح نووي جديد.

إعادة فرض مبدأ السيطرة المدنية

تتحتم على البيت الأبيض والكونجرس إعادة فرض سيطرة مدنية قوية على الأولويات العسكرية، إذا ما أرادت الولايات المتحدة إيجاد حلول دبلوماسية يمكن أن تساعد في تجنب قيام حرب أخرى بين القوى العظمى. ويجب على الإدارة المقبلة، سواء أكانت بقيادة جو بايدن أم دونالد ترامب، أن تمتنع عن مساواة الخبرة العسكرية بخبرة السياسة الخارجية. بدلاً من ذلك، على الرئيس إعادة ضبط ميزان القوى تجاه المدنيين في المستويات العليا في الحكومة، وتعيين المسؤولين الذين تنتج عن خلفياتهم المختلفة مجموعة متنوعة من وجهات النظر حول صنع السياسة الخارجية.

كما يجب أن تكون أولوية الرئيس المقبل عند توليه المنصب هي شغل المناصب المدنية داخل المكتب المدني لوزير الدفاع، الذي سيطر عليه إلى حد كبير ضباط عسكريون من الجيش. ويجب توظيف هؤلاء المدنيين الجدد بطريقة تزيد من التنوع الديموجرافي والتجريبي والفكري للمكتب. تمنح قوانين التوظيف الحالية امتيازًا لتوظيف قدامى المحاربين، ما يحد من حالة التنوع بين أولئك الذين يشغلون مناصب صنع السياسات. لذلك، يجب أن تكون مبادرات توظيف المدنيين بمثابة ثقل موازن لهذا التوجه العسكري.

أخيرًا، على الإدارة مراجعة الارتباطات والبرامج والوضع بنحوٍ شامل لضمان أن تتماشى الإجراءات الأمريكية في الواقع مع النوايا الإستراتيجية.

مثل هذه المراجعة يجب أن تشمل جميع البرامج العسكرية. فقد يبدو الكثير منها كأفكار جيدة بمعزل عن غيرها، ولكنها مجتمعة قد يثبت أنها أفكار استفزازية أو مهددة. يجب على القادة المدنيين اتخاذ قرارات سياسية بشأن مخاطر ومكافآت الإنفاق العسكري على برامج الأسلحة الهجومية على وجه الخصوص، كما أن عليهم مراجعة القيود المفروضة على “القوة الفضائية الجديدة” التي قد تكون ضرورية لتشجيع الفخر بالخدمة العسكرية وتجنب سباق التسلح والصراع.

في عام 1962، نشر الاتحاد السوفيتي صواريخ نووية على بعد 90 ميلاً فقط من شواطئ الولايات المتحدة. لم يسمح الرئيس جون كينيدي وبقية القيادة المدنية أن يواصل الجيش اتخاذ إجراءات العمل المعيارية لمواجهة مثل هذا الموقف وفضلوا مسارات عمل أخرى. فقد قاموا بعناية بتنسيق سلسلة من الإشارات التي تجنبت بصعوبة اندلاع الأعمال العدائية المفتوحة بين القوتين النوويتين العظميين في العالم.

لا تشبه السياسة الأمريكية الحالية السيطرة المدنية الصارمة ورقابة إدارة كينيدي بقدر ما تشبه موقف القوى العظمى قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى. فقد جرى تهميش القيادة المدنية أو تنحيتها جانبًا في الوقت الذي واصلت فيه الجيوش الفرنسية والألمانية والروسية إستراتيجيات تعطي الأولوية للعمليات والعقائد الهجومية، ما أدى إلى “عبادة الهجوم” الشهيرة. تفضيل التصورات العسكرية بشأن التهديدات على تلك التصورات الخاصة بالدبلوماسيين يجعل من الحرب أمرًا لا مفر منه. ومن دون وجود إشراف مدني قوي، تخاطر الولايات المتحدة بالوصول إلى ذلك المصير الكارثي.

 

المصدر
Foreign Affairs

مصطفى الفقي

مترجم مصري

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى