ولاءات ملء الفراغ

كيف يختار منير قيادات "إخوانه"؟

تطورات متسارعة أعقبت القبض على محمود عزت، القائم بأعمال مرشد الإخوان، في 28 أغسطس/آب الماضي، قلبت الأمور رأسًا على عقب، وزادت حدة الصراعات داخل الجماعة، خاصة بعد قرار إبراهيم منير توليه منصب القائم بالأعمال خلفًا لعزت، في منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، وإقصاء محمود حسين من منصب الأمين العام، وتشكيل لجنة إدارية يكون الأخير مجرد عضو فيه.

أحدثت تلك التغييرات فراغًا كبيرًا في مواقع المسؤولية داخل الجماعة، خاصة بعد رفض محمود حسين تسليم الملفات التي كانت بحوزته، والتي تشتمل على مصادر التمويل والشؤون الإدارية للجماعة، وبعد انتهاء مكتب الإرشاد فعليًا بوفاة بعض أعضائه والقبض على الآخرين، لم يبقَ من بين أعضائه سوى إبراهيم منير ومحمود حسين، ما أحدث فراغًا في مناصب الجماعة على جميع المستويات الإدارية، فكيف تعاملت الجماعة مع ذلك؟ وهل كانت الاختيارات عن طريق الانتخابات كما تدعي الجماعة أم بطرائق أخرى؟

إبراهيم منير
جسد ورأس

إدارة جماعة الإخوان تتكون من إدارة عليا، تشتمل على 16 عضوًا يختارهم مجلس شورى الجماعة، وتعرف تلك الإدارة بمكتب الإرشاد، ويتكون من مرشد و3 نواب، مع تعيين 3 أعضاء إضافيين وفقًا للحاجة. أما مجلس شورى الجماعة فهو السلطة التشريعية لجماعة الإخوان، يتكون من 121 عضوًا مختارين من المكاتب الإدارية في مصر، وعددها 26 مكتبًا، تحوي محافظات مصر، وتختار مسؤوليها شُعَب الجماعة داخل كل مكتب، في حين يتولى مسؤولو المكاتب اختيار مسؤولي  قطاعات الجمهورية السبعة من أعضاء المكاتب الموجودة في كل قطاع.

ويختص مجلس شورى الجماعة العام بمناقشة وإقرار السياسات العامة التي تتبعها، والخطة العامة والوسائل التنفيذية اللازمة لها، ويناقش التقارير السنوية التي يتقدم بها مكتب الإرشاد –يضم 16 عضوا- وقراراته ملزمة، ومدة ولايته 4 سنوات هجرية، ومن بين مهامه الإشراف العام على الجماعة وانتخاب المرشد العام.

كان آخر موعد لاكتمال تشكيل مجلس الشورى العام للجماعة في عام 2010، إذ أجريت انتخابات مكتب الإرشاد ومجلس شورى الجماعة والقطاعات والمكاتب، ومنذ ذلك التاريخ لم تجر أي انتخابات داخل الجماعة، ولكن كان يحدث تصعيد وفقًا لمن يلتزم بمبدأ السمع والطاعة والولاء، ورغم أنه وفقًا للائحة الإخوان تكون مدة البقاء في المنصب 4 سنوات فقط، فإن ذلك لم يحدث واستمر هؤلاء حتى الآن.

بعد يوليو/تموز 2013 واجهت الجماعة أزمات عديدة على مستوى القيادة التي فشلت في التعامل مع الأوضاع في مصر، إلا أن الأزمة الأكبر كانت القبض على العدد الأكبر من القيادات وإصرار الباقين على التمسك بمناصبهم، رغم انتهاء مدتهم في يوليو/تموز 2014، ما أدى إلى حالات متكررة من الانقسامات والانشقاقات تصاعدت مع الأيام وبلغت ذروتها في الأيام الماضية.

فبعد القبض على محمود عزت، أراد إبراهيم منير إحكام سيطرته على الجماعة، فقرر الانقلاب على قواعد الانتخاب، وحتى قواعد التصعيد التي اتبعها سلفه عزت في الإدارة، وقرر تشكيل لجنة بمعرفته وباختياره الشخصي، دون أي محددات ولا قواعد اختيار، ودون أخذ رأي أعضاء الجماعة، وإنما كان الاعتبار الأهم هو مدى ولائهم له، باستثناء محمود حسين الذي لم يتمكن من الإطاحة به تمامًا على نحو مباشر، فسعى لتحجيمه وإلغاء منصبه الإداري عضوًا بمكتب الإرشاد.

محمود حسين

وشكل منير تلك اللجنة من قيادات تدين له بالولاء، واشتملت على 7 من القيادات، هم: محيي الدين الزايط، وحلمي الجزار، ومحمود حسين، وأحمد شوشة، ومحمد عبد المعطي الجزار، ومدحت الحداد، ومصطفى المغير، على أن يترأس اللجنة الزايط حال غياب منير، وجميعهم من القيادات التي برزت في الجامعات خلال سبعينات القرن الماضي، في حين كان عبد المعطي الجزار من رموز إخوان 1965.

بقي أمام منير أن يحصل على موافقة مجلس شورى الإخوان على تلك القرارات، ولكن هذا المجلس لم يبق من أعضائه خارج السجون إلا أقل من 30 شخصًا، بعضهم مختفٍ في مصر، والجزء الأكبر في تركيا.

ورأى منير أن يتعامل مع الكيانات الموجودة على نحوٍ اسميٍّ وصوريٍّ فقط، فأحضر 11 شخصًا فقط من أعضاء مجلس شورى الجماعة، وأعلن أنهم سيجتمعون للموافقة على قراراته، وأنهم يمثلون المجلس، رغم أن لائحة الجماعة تنص على أن الاجتماعات لا تصح بعدد أقل من 55 شخصًا.

داخل تركيا يقيم نحو 22 شخصًا من أعضاء مجلس شورى الجماعة، ورغم أن عددهم لا يكفي لإكمال نصاب الاجتماع فإن منير رفض دعوة من يمكن أن يعارضوا قراراته، واكتفى بدعوة 11 فقط يدينون له بالولاء، على رأسهم مدحت الحداد، وهمام علي يوسف، ومصطفى المغير، والأخيران عيّنهما محمود عزت أعضاء بالمجلس، ولكنهم يدينون لمنير بالولاء، في حين استبعد منير قيادات أخرى بارزة في مجلس الشورى مثل علي بطيخ، وأشرف عبدالغفار، لأنهم خارج سيطرته.

وفقًا للائحة الإخوان كان يجري اختيار القيادات في الجماعة على مختلف المستويات عن طريق الانتخابات ولمدة 4 سنوات. وفي حالة وفاة أو سجن أحدهم يصعَّد الأعلى أصواتًا ليكمل المدة الانتخابية. إلا أن منير استمر في وقف الانتخابات، وحرص على ألا يلتزم بقواعد تصعيد القيادات وفقًا للأعلى تصويتًا، ولكن جعلها وفقا لاختياره الشخصي.

حرص منير كذلك على عدم إعطاء شرعية مستمرة لأحد لفترة طويلة، فاللجنة التي شكلها جعل مدتها عامين فقط ليتمكن من تشكيل لجنة جديدة في حال لم يعجبه أداؤها، كما أعطى لنفسه حق إضافة أي عضو للجنة وزيادة أعضائها ليضمن أن تكون السيطرة على القرار له مهما حدث من تغييرات، أما في ما يخص مجلس الشورى فقط تولى الدعوة للاجتماع، ولا يصح أي اجتماع للمجلس دون دعوته، وهو بذلك يقرر موعد انعقاد الاجتماعات، ويلغي الاجتماعات وقتما يريد، في حين يدعو من يشاء من أعضاء المجلس للاجتماع ويستبعد من يشاء دون الكشف عن عدد المجتمعين وآلية الاختيار أو الاستبعاد، وبذلك يضمن أن قرارات مجلس الشورى تكون رجع صدى لرغباته.

شباب الإخوان
دائرة القيادة

استحدث منير تلك القواعد في التصعيد، وسعى لتقليل عدد الأعضاء في كل المجالس إلى الحد الأدنى حتى يتمكن من السيطرة بالكامل ولا تتسع دائرة القيادة، وقد ورث عن محمود عزت قواعد اختيار أعضاء المكاتب، عن طريق تصعيد من يدين له بالولاء من قيادات المكاتب الإدارية في مصر لمنصب المسؤول، وحال عدم وجود ذلك يُصدر قرارًا بحل المكتب الإداري وتشكيل مكتب موالٍ له تمامًا.

برر منير تلك الإجراءات بأنها “اضطرارية” نظرًا إلى الأوضاع الأمنية التي لا تسمح بإجراء انتخابات، إلا أنه حتى في تركيا -حيث يكون متاحًا إجراء انتخابات- رفض إجراءها وقرر تعيين قيادات مكتب تركيا بنفسه، وكذلك مكتب لندن الذي يسيطر عليه تمامًا ويساعده محمود الإبياري في ذلك.

السيطرة والاستحواذ كان شعار قيادات الجماعة في إسناد المناصب، فمنذ تأسيس الجماعة لم تُجر انتخابات إلا في 3 مناسبات، أعوام 1989 و1995 و2010، وكانت انتخابات موجهة وغير نزيهة بشهادة خيري عمر، عضو المكتب السياسي السابق للجماعة، ما جعل شخصيات، مثل منير وحسين، يشغلون مناصبهم منذ أكثر من 20 عامًا.

في المقابل اتبعت الجبهة الشبابية المعارضة لقيادات الجماعة طريقة أخرى في إدارة شؤونها، فقد أعلنت أنها أجرت انتخابات واختير ممثلين لها، بعيدًا عن جبهة القيادات التاريخية بل كشفت عن انتخاب مكتب إرشاد جديد في 2017، وتشكيل لجان تابعة لها، وبدأت في هذا الانشقاق منذ 2014 وصولاً إلى القطيعة الكاملة مع جبهة القيادات التاريخية منذ منتصف 2015.

مظاهرات لأعضاء الجماعة

استمرت حال الجبهة الشبابية كذلك طوال الأعوام الماضية، إلا أن وعودًا من إبراهيم منير بإعادة التعاون معهم وتشكيل لجنة للم شمل الجماعة، حولت دفة الجبهة بالكامل خلال الأيام الماضية، ودفعتهم لإصدار قرارات بإقالة المسؤولين عنهم بدعوى إحلال قيادات جديدة، إلا أن ذلك جاء انتظارًا لخطوة منير الجديدة التي وعدهم بها، وهي إشراكهم في إدارة الجماعة.

المعلومات المتوفرة تشير إلى أن طريقة منير في إدارة الجماعة لن تختلف عن سابقه محمود عزت، في استمرار السيطرة واختيار من يدين له بالولاء،  ولكنه سيسند بعض المناصب الهامشية لرموز الجبهة الشبابية ليضمن تبعيتهم له ووقوفهم بجانبه في أزمته المتصاعدة مع محمود حسين، منافسه على قيادة الجماعة، والتي تتصاعد على نحو كبير، وستصل إلى مرحلة تكسير العظام خلال الأيام المقبلة.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبد الخالق بدران

صحفي مصري

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram