يا بمبة كشّر.. يا لوز مقشّر

سيرة الفراشات.. وراقصات آخر زمن!

قد لا يكون هذا الموضوع جامعًا مانعًا في مسألة “الرقص الشرقي” في مصر. هو كذلك بالفعل، لكن أهميته تنبع من كونه مجرد محاولة لتقديم قراءة حول ظاهرة إقبال الراقصات الأجنبيات على العمل داخل مصر. دوافع مختلفة تقف وراء هذه الظاهرة ( المال مثلًا، البحث عن الشهرة وارد، وغيرهما من الدوافع) لكن ليس هذا هو جوهر الموضوع.  مسألة الرقص الشرقي: الوظائف والأدوار والتأريخ، تحتاج إلى الكثير والكثير من الكتابات. على أية حال، مُقبل السطور يقدم توثيقًا وتعليقًا على أسماء راقصات أجنبيات  لفتن انتباه الجمهور المصري في الفترة الأخيرة.

كانت أولاهن “صوفينار” الراقصة الأرمينية، التي كان أول ظهور فني لها في الفيلم السينمائي “القشاش” وقد أدت رقصتها على موسيقى أغنية “على رمش عيونها”. ثم تلتها “أوكسانا” و”جوهرة” و”أنستازيا” وأخيرا “لورديانا” الراقصة البرازيلية التي اشعلت مواقع التواصل الاجتماعي في فيديو نُشر لها وهي ترقص داخل المركز الثقافي البرازيلي، وحصد ملايين المتابعات.

الراقصة صوفينار
مُنتج مصري خالص

فتح الاحتلال الفرنسي لمصر ( 1798 – 1801) الباب أمام توظيف جسد المرأة للمرة الأولى من خلال استخدام الغانيات كسلعة تجارية لجلب الرجال إلى “الخمارات” فكن بذلك وسيلة للترفيه عن جنود الحملة وفي نفس الوقت وسيلة لهن لكسب القليل من المال.

تدريجيًّا أخذ الرقص الشرقي يصنع مكانته بدءًا من عصر الخديوي إسماعيل، إذ تخصصت الفنانة الاستعراضية “شوق” في تأدية رقصاتها الخاصة في حفلاته، ومن أبرز الحفلات التي شاركت فيها حفل افتتاح قناة السويس عندما كُرمت الإمبراطورة “أوجيني”.   

“شوق” كانت حريصة على تأسيس مدرسة مصرية للرقص الشرقي، وهي المدرسة التي كشفت عن موهبة جديدة اسمها الراقصة “شفيقة القبطية” التي بدأت رحلتها عندما أقنعتها “شوق” بالهرب من المنزل واحتراف الرقص.

3 راقصات مصريات في صورة من الذكريات

بمرور الوقت، أخذت الراقصات مرحلة تكوين الفرق المسرحية الاستعراضية بأسمائهن بل بتن من  صاحبات الشهرة والنفوذ الاجتماعي. نتحدث هنا عن فرقة “بديعة مصابني” التي تربعت على عرش الفرق الاستعراضية، والتي قدمت لهذا الفن أكبر الأسماء الاستعراضية كــــ”امتثال فوزي” و”تحية كاريوكا”.

ووصلت التنافسية بين الراقصات في تلك المرحلة حدّ الصراع، لا سيما صراع “بمَبة كشر” و”شفيقة القبطية” فعندما وضعت شفيقة “الشمعدان” فوق رأسها في أثناء رقصتها، أصرت “بمبة” أن تضع وعاءً مسطحًا تتراص فوقه أكواب الشاي الذهبية، وحظيت بمبة بجماهيرية عريضة من جمهور الرقص الشرقي، ووصل حب الجمهور إلى حد إطلاقه هتافات في حفلاتها من قبيل: “يا بمبة كشر يا لوز مقشر”.

القبول الجماهيري الذي حظيت به “بمبة” كان السر وراء التحاقها بالأعمال السينمائية، فهي أول راقصة استعراضية شاركت في عملين من الأفلام الصامتة، ثم توالى ظهور الراقصات في السينما، ومن أبرزهن تحية كاريوكا وزينات علوي وسامية جمال، ثم اتجهت صناعة السينما بعد ذلك إلى إنتاج أفلام تتكئ الدراما فيها على قصة حياة راقصة، ما شجع راقصات مثل نعيمة عاكف على أن تركز اهتمامها على السينما.

الراقصة بمبة كشر

حين تشاهد فيلمًا سينمائيًّا قديمًا من فئة “الأبيض والأسود” سترى الراقصات رشيقات تتمايل أجسادهن بانسياب وخفة، وتركز الراقصة على توظيف كل عناصر الجسد داخل الرقصة، لتشعرك بأدائها وإبداعها الحركي.  

لكننا الآن إزاء منطق مختلف للرقص، تركز خلاله الراقصات على مناطق بعينها من الجسد بهدف إثارة الجمهور، وهو هدف أكثر سهولة وأيسر تحقيقًا من محاولة الإشباع الإبداعي، وغالبًا ما يليه تهافت العروض الفنية والسينمائية لإنتاج لون من ألوان السينما التي تتعامل مع الجمهور بمنطق الاستدراج الجنسي.

يمكنك أن تقارن جسد فنانة استعراضية مثل الرشيقة “سامية جمال” بواحدة من الراقصات الأجنبيات اللائي استخدمن مواقع التواصل الاجتماعي للقفز على سلالم الشهرة والمجد أمثال “لورديانا”. الخفة والرشاقة حاضرتان عند سامية جمال حين تتحرك بدقة وخفة كفراشة تحلق بين الأزهار من دون إثارة رخيصة، وهو ما يخالف تكنيك الراقصات الأجنبيات اللائي يتمايلن بتضاريس أجسادهن المتضخمة لإثارة المتفرج.

الراقصة سامية جمال

بحسب رؤية الناقدة خيرية البشلاوي، “أضحى ظهور الراقصات الأجنبيات في مصر بهذه الصورة أمرًا مثيرًا للتساؤل، لكننا لا يمكننا فصل الظواهر الفنية بعضها عن بعض إلا لو كانت الظاهرة رائجة ومتأصلة وتمتاز بتاريخ طويل مرتبط بالجمهور المتابع لهذه الظواهر”.

الرقص الشرقي في مصر يعبر عن ذائقة شعبية منتشرة، وهو بند ثابت في الأعمال الفنية السينمائية لأن السينما فن جماهيري ثابت ومستقر، وهذا ما يسمح لنا بأن نطلق عليه لفظ “سلعة فنية تجارية” لطالما يقاس نجاحه بعوائد الأرباح.

وقد يختلف تقدير هذا الفن –والكلام للبشلاوي- باختلاف الفهم العام عند الراقصة نفسها للرقص الشرقي، واختلاف استخدام لغة الجسد بين راقصة وأخرى، فقد تستخدم إحدى الراقصات جسدها كأنه آلة موسيقية تطرب أنظار الجمهور بتمايلها الرشيق، ونضرب مثالاً بالراقصات اللائي نجحن في إثبات أنفسهن من خلال تقديرهن للرقص الشرقي واعتباره فنًّا حقيقيًّا وليس وسيلة للتربح وجني الأموال. وفي نفس الوقت من الراقصات من يتفنن في إثارة الجمهور جنسيًّا، فكل راقصة تستخدم جسدها بما يتفق مع معاييرها الذهنية ومدى إيمانها بما تقدمه والهدف الذي تسعى من أجله.

الراقصة البرازيلية لورديانا
راقصات "الترند"

 ثمة دور لا يقل خطورة تقوم به الصحافة والسوشيال ميديا في الترويج لظاهرة “راقصات الترند”، فبعد نشر فيديو “الراقصة البرازيلية” أصبحت البطولة الصحفية تتهافت لأجل الحصول على تصريح من سيدة التريند، وهو ما يعكس ظاهرة خضوع الصحافة لقوة “السوشال ميديا”.

فقد كانت الراقصة “جوهرة” حديث الصباح والمساء بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي بعدما نجحت في إثارة غرائز الجمهور، ولطالما باتت هذه الطريقة هي الوسيلة لكسب أكبر عدد من العروض، ما تسبب في طلب ترحيلها من مصر.

وما إن ظهر فيديو الراقصة البرازيلية حتى نسي الجمهور جوهرة، وأصبحت لورديانا هي البطلة الكبيرة. الجميع يبحث عن فيديو رقصتها، الرجال يطلقون عليها الألقاب (الأسد، المدرعة) ويقارنون بينها وبين النساء المصريات.

“الرقص حق الجميع، وليس من حقنا منع أحد من مزاولة هذا الفن”، هكذا يقول الناقد الفني طارق الشناوي، قبل أن يضيف: “لكن المسوؤل الأول عن رفض السلع الرديئة هو الجمهور المستهلك، والسينما تسمح لكل المشهورين أو من هم في طريقهم للشهرة أن يمارسوا مهنة التمثيل”.

الناقد طارق الشناوي

لكن الشناوي يرفض أن نضع الراقصات الأجنبيات، أو أي راقصة قدمت إلى مصر، في مقارنة مع عمالقة الرقص الشرقي في مصر، أمثال نعيمة عاكف وتحية كاريوكا وسامية جمال، فهؤلاء كن أكثر احترافية وإخلاصًا لمهنة الرقص الشرقي، ويمارسنها بحب وإبداع ولم يهدفن إلى جني الأموال فقط، “لقد كانت تحية كاريوكا لا تملك مالاً لتشتري به بدلة الرقص”.

الشناوي يعتقد أن الرقص الشرقي لون من ألوان الفن الاستعراضي صدرته مصر إلى العالم، وأصبح واحدًا من أدوات القوة الناعمة، فراقصات مصر سافرن إلى مختلف دول العالم ليدرِّسن هذا الفن.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

شيماء اليوسف

صحفية مصرية

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram