ثقافة وفن

“يا ترى” بهاء سلطان.. يعرف نفسه؟

حين ظهر بهاء سلطان في برنامج “صاحبة السعادة” مع إسعاد يونس، بالتزامن مع اشتعال أزمته مع المنتج نصر محروس، امتلأت صفحات مواقع التواصل الاجتماعي بالـ”ميمز” والتعليقات المتضامنة معه، للدرجة التي وصلت إلى اقتراحات بجمع تبرعات من أجل فسخ عقده وإنتاج ألبومات جديدة له، في سابقة لم تحدث مع مطرب من قبل، ممن عانوا أزمات متشابهة لقلة العمل والإنتاج.. فلماذا لاقى بهاء سلطان كل هذا التعاطف الاستثنائي دون غيره؟ وهل يعرف حقا كل هؤلاء مسيرة وأغاني المطرب- الغائب منذ 2011- وبعضهم لم يشهد فترة صعود بهاء سلطان؟

بهاء سلطان ونصر محروس

الأب والابن وروح الطرب: بهاء سلطان ونصر محروس

بهاء سطان رغم إمكانياته الصوتية الكبيرة هو صوت نصر محروس المستعار، وخلاصة أسلوبه الإنتاجي والفني التي قدمها مع أكثر من صوت غير بهاء سلطان، ولكن الأخير وجد به أكثر ما يبحث عنه في الطاعة الفنية – بدأت علاقتهما باختيار محروس لاسم بهاء سلطان بدلا من “بهاء فتحي” كاسم فني له- وتحولت العلاقة بينهما من منتج ومطرب إلى أب وابنه.

حكى نصر محروس من قبل أنه عانى من خذلان المطربين الكبار له في نهاية التسعينيات وقرر أن يتحداهم بالإنتاج لأصوات جديدة من اكتشافه، ينفذ بهم رؤيته الفنية، خاصة أن فكرة التعاقد مع مطربين كبار مرة أخرى لن تمكنه من السيطرة عليهم، بالإضافة إلى فرض سياسته المالية، ونجح محروس بالفعل في تحديه من خلال الثلاثي الصاعد بهاء سلطان وتامر حسني وشيرين عبد الوهاب.

نصر محروس من المنتجين القلائل الذين يمتلكون نظرة فنية في الإنتاج، ولكن أحيانا تتحول هذه النظرة إلى نقمة على مطربيه واكتشافاته، بسبب ديكتاتوريته ورغبته في فرض أسلوبه طوال الوقت، إضافة إلى أنها تقريبا رؤية واحدة للأغاني يطبقها على الجميع، تتلخص في نموذج مطرب شعبي ولكن موجه للجمهور غير الشعبي، أو كما لخصها المطرب دياب، أحد اكتشافات محروس: “مطرب شعبي يخاطب جمهور الجامعة الأمريكية”، قدم ذلك باختلافات متفاوتة مع الثلاثي من قبل، ومؤخرا مع مصطفى حجاج ومصطفى شوقي وسوما ونغم وغيرهم.

وصلت هذه التركيبة إلى قمتها مع شيرين عبد الوهاب وبهاء سلطان في بداياتهما، وكانت شيرين المعادل النسوي لبهاء سلطان، واتجه تامر حسني إلى الغناء الرومانسي أكثر، وخاض تمردا مع شيرين على سلطة نصر محروس الأبوية، بعد تحقيقهما لنجومية كبيرة، ولرغبتهما في الخروج من عباءة المطرب الشعبي.

وهو ما يفسر اتجاه شيرين الواضح بعد هذه الفترة إلى الأغاني الرومانسية، حتى أنها صرحت من قبل بأنها كانت غير مقتنعة بما كان يفرضه عليها محروس رغم النجاح التي حققته مثل اعتراضها على أغنية “جرح تاني” مثلا، وبالمناسبة هو نفس ما صرح به بهاء سلطان مؤخرا بعدم اقتناعه بعدد من الأغاني التي قدمها ولكنه لم يستطع أن يقاوم رأي نصر محروس حينها.

انطلاقة بهاء سلطان.. شجن وزهد وتعاطف جماهيري

كل مقومات بهاء سلطان الفنية تنحصر في أحباله الصوتية، فهو لا يمتلك شخصية طاغية بجانبها، ولا يعتمد على الدعاية لشخصيته ورومانسيته وخفة ظله مثل تامر حسني، ولا عفوية ومشاكسة شيرين عبد الوهاب مثلاً، إلا أن هذا أكسبه تعاطفا كبيرا من الجمهور منذ البداية قبل الإعجاب بأعماله الغنائية.

وتكونت صورة عن سلطان في بداية صعوده تتلخص في أنه مطرب صاحب مزاج عالٍ لا يحب الظهور والأضواء، وهو سر تعزيز صورة المطرب المظلوم الذي لا يحصل على التقدير الكافي مبكرا، بسبب مقارنته بزملائه الذين يحتلون الشاشات والصحف بأخبارهم ونجاحاتهم، وأسهم شجنه الصوتي في تعزيز هذه الصورة وإثارة المزيد من التعاطف.

امتدت هذه الصورة لخلق أساطير عن بهاء سلطان فيما يتعلق بـ”سر مزاجه الغامض”، وتجلت مثلاً في إحدى إفيهات أحمد فهمي في فيلم “الحرب العالمية الثالثة”، وهو يتعاطى المخدرات مع “بوب مارلي”: “ده أنا كان أقصى طموحي أحشش مع بهاء سلطان“.

ومن العوامل التي أسهمت في ذلك التعاطف والصورة المتخيلة عن بهاء سلطان، اقترابه من نموذج جورج وسوف، فهما يتشابهان كثيرا في المنطقة الفنية باختيار اللون الغنائي الطربي الرومانسي بروح شعبية، بالإضافة إلى الابتعاد عن الاهتمام بالصورة الإعلامية والدعائية للمطرب والاشتراك في كونهما أصحاب مزاج غنائي فقط، وكذلك في طريقة الانتشار الجماهيري والجمع بين الجمهور الشعبي “الاستماع في الميكروباصات” وجمهور البوب “الجامعة الأمريكية” ربما بدرجة أقل.

انعكس ذلك على أعمال بهاء سلطان في بداياته في ألبوم “ياللي ماشي” 1999، حيث قدم به بهاء سلطان هذه النوعية من الأغاني التي أبرزت قدراته الصوتية في وقت اتجاه السوق الموسيقية إلى الإبهار الشكلي والأغاني الإيقاعية.

واستطاع بهاء أن يملأ ذلك الفراغ الطربي- الشعبي، وغلبت النبرة “الحزايني” على أغانيه، بموضوعات عن الهجر والغدر والخيانة وقسوة الدنيا والناس، وهو المضمون الرابح دائما في الأعمال الشعبية، لذا ليس غريبا أن يكون أبرز المتعاونين معه في تلك الفترة مصطفى كامل، المعروف بإجادته لذلك النوع الغنائي.

تعاون مصطفى كامل مع سلطان في 6 أغان من أصل 9 في ألبومه الأول، وأبرزها:”هتندموا“، “يا ترى“، و”احلف“، وكان بهاء سلطان أكثر انفتاحا في التعاون مع الملحنين والموسيقيين مثل حسن أبو السعود وطارق مدكور وطارق عاكف وغيرهم، ولكنهم أيضا لم يقدموا أفكارا موسيقية جريئة أو مختلفة عن النظرة التي يفرضها نصر محروس، فكان صوت بهاء سلطان هو بطل الأغنية المطلق، فلا وجود للألوان الغربية أو الموسيقى الإلكترونية مثلا، وقد نعتبرها جميعا من عقل موزع موسيقي واحد متأثر بالموسيقى الشعبية الكلاسيكية.

حافظ بهاء سلطان في ألبومه الثاني “3 دقائق” 2001، على نفس الأسلوب والتركيبة، مع تغيرات شكلية مثل تراجع حضور مصطفى كامل لثلاث أغانٍ من أصل ثماني، ومنها الأغنية الرئيسية للألبوم، بينما غلب الطابع “الحزايني” أيضا على أغاني الألبوم مثل “يا هاجرني” و”لو بعتني” و”جرحني مرة” و”الشوك“، مع شعراء مثل مجدي النجار وبهاء الدين محمد، ولكن الجديد في الألبوم هو تجربة بهاء سلطان لأول مرة الأغاني الخفيفة والإيقاعية على عكس شجنه وجديته في الأداء الصوتي، في أغنية “ما يردش” والتي كتبها ولحنها تامر حسني.

بهاء سلطان ومأزق العيش في جلباب نصر محروس

شكلت “مايردش” نواة لتوسع بهاء سلطان في تقديم المزيد من هذا النوع الغنائي في الألبومات التالية، وهي نتيجة طبيعية لزيادة فرض نصر محروس رؤيته الفنية من خلال تفضيله لهذه النوعية من الأغاني، بالتوازي مع تراجع دور مصطفى كامل في رعاية بهاء سلطان، وبداية كتابة نصر محروس الأغاني بنفسه، وأولها أغنية “انسى” في ألبوم “قوم أقف” 2003.

ولأول مرة يشهد الألبوم جرعة أكبر في الأغاني الراقصة والخفيفة، والتي كانت مثيرة للجدل وقتها بسبب غرابتها على أسلوب بهاء سلطان، المعروف عنه شجنه وحزنه ومظلوميته، فقدم هذه المرة الأغنية الرئيسية للألبوم “قوم أقف” مع تامر حسني مرة أخرى، بالإضافة إلى أغنية “كل ده” و”عاللي بيحصلي“، مع نسبة ممثلة لأسلوبه القديم وأبرزها أغنية “ياللي بايع“، واختفاء تام لمصطفى كامل ونهاية دوره مع بهاء سلطان.

بهاء سلطان في أول صعوده الفني

سار بهاء سلطان بمعدل ثابت في إصدار الألبومات في تلك الفترة: ألبوم كل عامين، وأصبح من نجوم المقدمة في الفترة الذهبية لسوق الإنتاج، وفي مرحلة هي الأقوى في علاقة بهاء سلطان بنصر محروس، أصبح بها سلطان نجم شركة “فري ميوزك” الأول بعد هروب شيرين عبد الوهاب وتامر حسني.

وبعد أن استسلم سلطان لتحكمات نصر محروس وتحولت العلاقة من الثقة الفنية المتبادلة إلى أب وابنه أو بشكل أدق أصبح سلطان صوت محروس وأداته، وبعد أغنية “انسى” في ألبوم “قوم أقف”، سيطر محروس على ألبوم “كان زمان” 2006، بخمس أغانٍ من أصل 9.

واستمر بنفس المعادلة بشكل متوازن بين الأغاني المثيرة للجدل والخفيفة مع الأغاني الدرامية، وقدّم في الألبوم أغنيته الأشهر في الاتجاه الجديد “الواد قلبه بيوجعه“، التي لاقت نجاحا كبيرا بعد أن اعتاد الجمهور إجادة سلطان هذا اللون بجانب الطرب والشجن.

جمهور يتعرف أخيرا على بهاء سلطان

يقول بهاء سلطان عن تلك الفترة، إنه كان يجلس بعيدا عن اجتماعات فريق عمل الألبوم بسبب شعوره بالإحراج وعدم القدرة على المواجهة، ولا يتدخل في الأغاني بسبب رفض نصر محروس لاقتراحاته، ووصف الأمر بـ”تلجيمه”، ولأنه أصبح يفهمه ويختار له الأنسب والأنجح، وحديثه يعطي صورة أوضح عن شخصية بهاء سلطان التي تفضل الانزواء في الكواليس.

وانتهت الفترة الذهبية بعد الألبوم الأخير لبهاء سلطان “ومالنا” 2011، الذي واصل به محروس سيطرته الكاملة على الأغاني بتسع أغانٍ من 11 أغنية، ولم يختلف شيء سوى زيادة الطابع الرومانسي في أسلوب بهاء سلطان هذه المرة، مثل أغاني: “أنا مصمم“، “خلتني أخاف“، و”تبقى انت اللي ليا” وغيرها.

وربما كان ذلك بداية مرحلة جديدة في أداء ومسيرة بهاء سلطان وإن لم تكتمل، بسبب ثورة 25 يناير وما بعدها من ثورة بهاء سلطان على والده الروحي نصر محروس وغيابه الطويل إلى المرحلة الحالية.

بهاء سلطان هو ابن الموجة الإنتاجية الجديدة في نهاية التسعينيات وإيجابيات طموح المنتج نصر محروس، وهو ضحيته في نفس الوقت، بعد تجميد محروس لنشاط بهاء سلطان لسنوات بحكم التعاقد والاحتكار والأبوة والشعور بامتلاك صوته ومستقبله.

وترافق ذلك مع شخصية بهاء سلطان المنزوية والتي تسببت في ابتعاده أكثر وعدم التجرؤ ضد محروس والهرب مبكرا مثل شيرين وتامر حسني، لذا لم يستعد بريقه إلا من خلال تصاعد أزمته مع محروس وظهوره المتكرر في برنامج “ًصاحبة السعادة”، الذي قدمه للجمهور لأول مرة في مسيرته، وكشف جوانب أخرى خفية في شخصيته وفسر أسباب الشعور الدائم لدى الجمهور بمظلوميته وعدم تقديره.

المظلومية.. دفعة أم عائق أمام عودة بهاء سلطان؟

أول أسباب التعاطف الجديد والكبير مع بهاء سلطان هو شخصيته المتواضعة لدرجة إنكار الذات والنجاح، وعدم الثقة حتى في قدراته الصوتية، التي هي أقوى ما لديه. يعتذر بهاء لإسعاد يونس على أدائه الضعيف بعد وصلة طربية يؤديها بسلاسة وإتقان، ويفرح كطفل بإشادتها بصوته وكأنه يسمع الإشادة لأول مرة في حياته.

يعترف بعدم قدرته على مواجهة نصر محروس ولا على التفكير والاختيار مثله، ولا يرى في ذلك تقليلا من صورته كنجم، فمعظم النجوم يتفاخرون ويتسابقون بقدرتهم على الاختيار والمغامرة والتحدي حتى لو لم تكن حقيقية.

اكتشف الجمهور أن النجم الصاعد منذ 1999 لا يجيد التحدث أمام الكاميرات ولا الحديث عن نفسه ولا يعرف بالفعل حجم موهبته، فيما نجح بهاء في استمالة الجمهور المتدين (بشكل عفوي) بأدائه التواشيح والابتهالات الدينية بإتقان مماثل لأدائه الأغاني المثيرة للجدل من قبل.

وتحدث بهاء سلطان في كل مرة عن حفظه القرآن مؤخرا وزيارته المساجد ولقائه بالشيوخ، للدرجة التي جعلت الشائعات تخرج حول اعتزاله واتجاهه للغناء الديني، وهي حيلة معروفة لجلب التعاطف للفنانين، وازدادت صدقا بسبب ملاءمها شخصية بهاء سلطان وقلة حيلته وزهده.

يبدو أن نظرة المظلومية عند الجمهور كانت حقيقية رغم عدم وضوح أسبابها قديما، واكتشف بهاء سلطان مع الجمهور أنه لم يقدم ما يريده ويتوافق مع مزاجه من قبل، بعد أن برز في أداء التواشيح في “ًصاحبة السعادة” وأصبحت مطلبا متكررا منه في البرنامج، ولكنه وقع في نفس المأزق مع نصر محروس، ولم يقدم شيئا خارج البرنامج مثلما لم يجرب العمل والنجاح دون وجود نصر محروس، بدليل عدم تحقيق أغانيه خارج الشركة نجاح مماثل مثل تترات المسلسلات التي قدمها في السنوات الأخيرة.

تعاطف الجمهور مع نموذج بهاء سلطان كمطرب مظلوم لا يعني بالضرورة أن يضمن نجاح أعماله المقبلة، فسبق وتكرر الأمر مع عدة مطربين مثل لؤي وهيثم شاكر مثلا، حين واجها نفس الشعور بالظلم والتهميش والغياب بسبب قسوة الإنتاج مع تعاطف كبير من الجمهور معهما، ولكن لم يحققا التأثير والنجاح في عودتهما الفعلية للغناء.

وتزيد التحديات في حالة بهاء سلطان كونه يدخل تجربة التفكير والاختيار لنفسه بمفرده لأول مرة، وكون الساحة الغنائية لم تصبح مثل السابق تعتمد على الطرب والصوت والاختفاء وإطلاق ألبومات الكاسيت فقط.. فهل يستطيع بهاء سلطان الابتعاد فعلا عن نصر محروس والخروج من تأثير “صاحبة السعادة” المؤقت أم سيبحث عن أب جديد له؟

قد يفاجئنا بهاء سلطان بتحول كبير في شخصيته أو عودته بنجاح وتذكيرنا بأنه حالة استثنائية من القبول فعلاً وقد يستمر في صورة ضحية السوق وظلم الإنتاج ومادة للميمز وشخص مثير للتعاطف والتحسر على موهبته في كل مناسبة أو مضرب مثل.

محمد الأسواني

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى