يا مصطفى إسماعيل.. أغثنا!

هيثم أبوزيد

حين يرسل صوته بالآيات البيّنات، ينثر على مستمعيه لآلئ الفن الساحر، ويأسر آذانهم وقلوبهم بتراكيب من نغم الجلال، يتأمله الناقد من كل وجه، فلا يرى فيه عِوجًا ولا أمْتًا، كأنما قُدَّ صوتُه من كمال فني لا يعتريه نقصٌ، ولا يجد البصير في أدائه محلّاً للاستدراك، ولا يكاد مستمعه يتطلع إلى ذروة فنية إلا أبلغه إياها، وزاد عليها بما ينقطع عنده التطلع والخيال.

بثلاثة مناظير، يمكننا أن نفحص فن الشيخ مصطفى إسماعيل: أولها منظار بانورامي عام، نتطلع به إلى أي من تلاواته لندرك ما تتميز به من قوة البناء ومتانة الأساس ودقة الهندسة، فالجُمل الصغيرة ضمن فقرات، والفقرات تشدها روابط من اللطف الخفي المدهش، كأنها سماء رُفعت بعَمَد لا تراها العين، والتصعيد الصوتي يتوالى بتدرّج هادئ مدروس.. وكل ذلك يتضافر ليكون إطارًا عامًّا جامعًا لم يعرفه فن التلاوة بهذه القوة قبل شيخ الفن المقتدر.

وثانيها، نظر من قريب، قد يناله من قعد للاستماع إلى الشيخ مباشرة، أو من اهتم بالاستماع إلى تسجيلاته الكثيرة، حيث المساحة الصوتية الواسعة، والجوابات الممتلئة، والقفلات المطربة، وسعة الخيال النغمي، والإعادة ذات الإفادة، والتمهيد الذي لا يقل إمتاعًا عمّا مهّد له، والتأنق في الكلمة الواحدة لتطرب كما تطرب الجملة الطويلة، أو هي أطرب.. لكن كل هذه الفنون لا تقدم التفسير المطمئن لسبب هذا التجاوب الجماهيري الكبير مع تلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل.. فالرجل هو القارئ الوحيد، الذي اتسمت كل تسجيلاته المحفلية برد فعل جماهيري صاخب، رغم اختلاف الزمان، وقد وصلتنا تسجيلاته عبر أربعة عقود، واختلاف المكان، وقد استمعنا إليه في مختلف محافظات مصر، من مساجد وسرادقات ومآتم واحتفالات، وكذلك وصلتنا تلاواته في بلدان عربية وإسلامية عديدة، واختلاف طبقات المستمعين اجتماعيًّا وتعليميًّا وثقافيًّا.. وكل هذه التسجيلات، من أقدمها في منتصف الأربعينات حتى آخرها قبيل وفاة الشيخ بأيام أواخر عام 1978، تشهد رد فعل صاخبًا جدًّا من الجمهور المحتشد، يصل في كثير من الأحيان إلى حد فقدان المستمعين السيطرة على أنفسهم، والتعبير عما بلغوه من انتشاء بالصراخ والصياح، وربما بشتم الشيخ الذي أوصلهم إلى هذه الحالة.

وهنا يكون السؤال مشروعًا: ماذا عند مصطفى إسماعيل وليس عند غيره؟ ما الذي يقدمه هذا الرجل فلا يقدر معه الكبراء والأعيان والعلماء والمشايخ وأساتذة الجامعات والملحنون والعازفون والعمال والفلاحون على ضبط أنفسهم والاحتفاظ بوقارهم؟ ما السر عند الرجل؟

من سورة يوسف في الإسكندرية عام 1958

تحتاج الإجابة عن هذا السؤال إلى استخدام المنظار الثالث، وهو المجهر الميكروسكوبي، الذي تنظر به عين فاحصة فتدقق في التفاصيل الكثيفة والمعقدة، لتكشف السر، وتمسك بالمفاتيح، وتضع أيدينا على مواطن الجمال الظاهر والكامن في فن عبقرية استثنائية انفردت فلم يكن لها نظير، ولا قريب من النظير.. وفي الجمال الظاهر، يتضح سريعًا ما امتلكه الرجل من أدوات: مساحة صوت كبيرة، وضخّ صوتي هائل، وحنجرة مطواعة قادرة على النهوض بأفكاره النغمية.. لكن هذه الأدوات لا تكشف سر مصطفى إسماعيل، فقد امتلك آخرون من كبار قرائنا بعض هذه الأدوات أو كلها، ولم تكن لتلاوتهم –على جمالها- هذا الأثر الضخم في أنفس الجماهير، ولم يترتب عليها رد الفعل الصاخب والمستمر لسنوات وعقود.

وغالبًا ما يرد في هذا السياق على خاطر أكثر الناس أن عظمة الشيخ مصطفى تكمن في انتقالاته المقامية البارعة الرائعة السلسة الأنيقة.. والحقيقة، أن الانتقال من مقام إلى مقام، جمالية شائعة ميسورة بين كل القراء، المشتهرين منهم وغير المشتهرين.. وقد صارت عبارة “ينتقل بين المقامات بسهولة” عبارة مبتذلة، لا تصدر غالبًا إلا عن متحدث ليس لديه ما يقوله، كما أنها صارت وصفًا شائعًا، لا يكاد يخلو منه برنامج تليفزيوني أو حلقة إذاعية عن قارئ أو منشد.. فهي إذًا لا تميز قارئًا عن قارئ، كما أنها توحي بأن الانتقال بين المقامات مهمة شاقة لا يقدر عليها إلا عمالقة القراء، والواقع والتسجيلات والممارسة كلها تنفي هذا الأمر، والقراء كل يوم ينتقلون من البياتي إلى الصبا، ومن النهاوند إلى الراست، ومن السيكاه إلى الجهاركاه.

إن فن الشيخ مصطفى إسماعيل يتسم بالتركيب، ويشتمل على كثير من التفصيلات والتعقيدات، لذلك، كان فهم هذا الفن وتحليله يحتاج إلى نظر مُركّب، يتجاوز السطح إلى الجوهر، ويترك الشاطئ ليغوص إلى الأعماق.. صحيح أن الجماهير العريضة تتفق بفطرتها النقية على عظمة الرجل وتفرده وسيادته، لكن هذه الجماهير تتفاوت تفاوتًا كبيرًا في إدراك سر هذه العظمة وهذا التفرد.. وهم في ذلك على مستويات أو طبقات.. واليوم نحن بحاجة ماسّة إلى أن نتعمق في فهم فن الشيخ، وأن نجهد في تأمل هذه الحالة الاستثنائية التي عزّ نظيرها.. وإذا كانت الأدوات الصوتية لا تفسر الأثر الضخم للشيخ، وإذا كانت الانتقالات المقامية التي يمارسها كل القراء لا تكفي لإدراك سر عظمة الرجل، فما السر إذًا؟

سورة الحج .. من أقدم تسجيلاته 1945

إن جوهر التفوق الفني في تلاوة مصطفى إسماعيل يتجلى في أسلوب أداء الرجل للمقام الموسيقي الواحد، وليس في الانتقال من مقام إلى آخر، فما يفعله الشيخ مصطفى داخل المقام الواحد يكاد لا يقدر عليه أحد، ولا نجده بأي شكل من الأشكال عند غيره من القراء، فهو يؤدي المقام بطريقة علمية منهجية تترتب فيها الأجناس والعقود وتتضافر لإظهار شخصية المقام حتى تمتلئ منه نفس المستمع.. وهو يطيل البقاء في المقام، مستخرجا منه قدرا كبيرا من الجُمل الأنيقة والمطربة والجديدة.. والإطالة في المقام الواحد دون تكرار يمل منه السامع أمر بالغ الصعوبة.. فالبقاء 10 دقائق في مقام واحد، واستظهار شخصيته باعتباره “مقاما” وليس مجرد “سُلّم”، والتفنن في نحت جمل جديدة من نسيجه، أصعب بمرات من تأدية 10 مقامات في نفس الزمن.

وفي مقام البياتي، الذي رسّخ مصطفى إسماعيل الاستهلال به في كل تلاواته، كان الرجل يطيل المُكث، وفي بعض التسجيلات استمر في المقام لأكثر من 40 دقيقة.. لا يكرر خلالها جملة واحدة، كأنه يغترف من بحر نغم لا ينفد.. وطوال المدة البياتية تجد الجماهير في غاية الانسجام والانفعال والطرب، يستزيدونه فيزيدهم، ويستعيدونه فيعيد، مع إضافة حتمية تمنع التطابق الحرْفي بين الجملة وإعادتها.. حتى لو كررها 4 أو 5 مرات.

يستهل الشيخ مصطفى تلاواته من مقام البياتي مخفوضًا درجة كاملة، وبلغة الموسيقيين “يصوِّر” البياتي من درجة الراست، ثم يتصاعد على مهل إلى الدرجات الوسطى للمقام، وفي هذه الأثناء يزيّن سيرة المقام بزخارف بالغة الدقة والأناقة، ففي جملة يمزج البياتي بالعجم، وفي أخرى يقفلها بكلمة من الراست، ثم يشرع في الصعود إلى الدرجات العليا عبر جنس حجاز على درجة النَّوَى، مكونا مقام “قارجغار”، المشتهر في مصر باسم “الشوري”، ويأخذ في المراوحة بين الدرجات الوسطى والعليا، إلى أن يصل إلى جواب البياتي بجملة قوية وقفلة حرّاقة، لا يملك معها المستمعون أنفسهم.

 

وحين يصل الشيخ مصطفى إلى هذه المرحلة، يكون قد استغرق غالبًا 15 دقيقة، ويكون الجمهور في درجة عالية من النشوة والانسجام، وحين يشعر المستمعون أنْ 

ليس بعد ذلك شيء من الطرب والإبداع، يشرع القارئ المقتدر في بناء الديوان الثاني للبياتي، وبنفس طريقة بناء الديوان الأول، فيسوق الجُمل بأسلوب يحوّل جواب المقام إلى قرار ينطلق منه، عبر مقام المحير، فيكون على درجته جنس البياتي، ثم جنس الحجاز، ثم يستعد لإطلاق صاروخ مُزلزل يحمل جواب الجواب، بضخ صوتي كاسح، وعفقات مذهلة، وقفلة في منتهى القوة والإطراب.. وهنا، تكون الجماهير قد خرجت عن السيطرة، والمستمعون يصرخون حائرين، بعدما أخذتهم صيحة جواب المحير، أو جواب الجواب، الذي شرع أجنحته عبر ديوانين، قدم خلالهما الشيخ أفانين لا نهائية، من التعامل الفذ العبقري مع مقام البياتي، مدة 20 أو 30 أو 40 دقيقة.

تلاوته الأخيرة قبل وفاته بأيام.. من مسجد البحر بدمياط

إن المقتدر في كل فن يُبهر جمهوره بالتزام ما لا يلزم، وبتقييد نفسه بقيود طوعية تصعّب فنه، وتبتعد به عن الحالة الاعتيادية السهلة.. فمن يمشي في أرض مفتوحة منبسطة، ليس كمن يجري على قضبان القطار، ومن يقدم الأكروبات وهو يقف على منضدة كبيرة لا يستوي مع من يقدمها وهو يسير على حبل مشدود بين جبلين، ولاعب الكرة الذي يحرز هدفًا في ملعب مفتوح لا يكاد يجد من يعترض طريقه، ليس كمن أحرز الهدف وقد أحاط به خمسة من محترفي الفريق المنافس الذي يمتلك أعظم حارس مرمى في العالم.. وحين يفرض مصطفى إسماعيل على نفسه طول البقاء في مقام موسيقي ما، فإن ذلك يعني أن فنه سيتخطى حدود الطول والعرض، إلى العمق الفلسفي، الذي تتسع به المساحات الضيقة.. تلك خصيصة انفرد بها الشيخ بين أعلام فن التلاوة جميعًا.

حين يقرأ مصطفى إسماعيل بمقام معين، فإنه يُبدي قدرة غير اعتيادية على توليد الجمل الجديدة والمفاجئة.. صحيح أن له إطارًا عامًّا، وصحيح أن له شخصيته الفنية القوية، وهو ما يستلزم الحفاظ على أنماط محددة من الأداء، وإرضاء الجماهير بجمل معينة اخترعها وصكها باسمه.. لكن هذا أمر يختلف عن التكرار الحرفي، سواء أكان في الإعادات داخل التلاوة الواحدة، أم عند تلاوة نفس الآيات في محافل أخرى.

خذ مثلاً تلاواته الشهيرة لسورة التحريم، وقد وصلتنا منها عشرات التسجيلات، ولو قربنا الأرقام، فلنقل إن المتاح منها الآن على مواقع العرض نحو 50 تلاوة، وفي كل واحدة منها يكرر الشيخ مقطع “مسلمات مؤمنات…” 4 مرات في المتوسط، فيتحصل من ذلك أن لدينا نحو 200 إعادة لهذا المقطع، وعند الاستماع الدقيق لهذا العدد الهائل، لن نجد إعادتين متطابقتين تطابقًا بنسبة 100% بأي حال.. هذا أمر يقترب من أن يكون إعجازًا فنيًّا.. ولن نجده عند أي قارئ من أعلام هذا الفن، الذين يفخر بهم تاريخ تلاوة القرآن في مصر.

ومن أهم ما يقدمه مصطفى إسماعيل في أدائه الفذ العبقري غير المسبوق ولا الملحوق، حفاظه عبر عقود على كلاسيكية الجملة النغمية.. فجملة مصطفى إسماعيل مقامية لا سُلمية، قديمة معتقة، تتجنب القفزات البهلوانية، وسلالم الكروماتيك، تذكّر المستمع بأدوار محمد عثمان وعبده الحامولي، وموشحات عمر البطش وكامل الخلعي وسيد درويش.. جملة تنتمي إلى عالم البشارف والسماعيات، والمؤلفات الآلية لكبار الموسيقيين الأتراك في القرنين الماضيين.

أداء فذ لمقام النهاوند

وإذا ضربنا مثلاً بمقام النهاوند، نجد أن الشيخ مصطفى يؤديه أداء كلاسيكيًّا بالغ الرقي، فهو لا يقدم النهاوند العاطفي المتكسّر الذي يشيع في غناء مطربي هذه الأيام، ولا نرى عنده النهاوند الشعبي الذي نجده في ألحان بليغ حمدي أو مواويل أحمد عدوية.. يقدم النهاوند كأنه صادر من قصور الملوك والسلاطين، فخمًا مليئًا مطربًا كامل الدسم الفني.

ومما تميزت به تلاوة الشيخ مصطفى أن جُمله بين الجوابات ومثيلاتها، والقفلات الحرّاقة ونظائرها، تأتي مدروسة ممتعة يلتذّ لها السامعون، وليست مجرد استراحة لالتقاط الأنفاس.. فالرجل يملأ هذه الجُمل البينية بأفانين الأداء، ولا يجعل مستمعيه يعيشون حالة انتظار وترقب، يستعجلون فيها قفلة حراقة أو جملة طربية طويلة من طبقة حادة.. إنه يمتعهم في كل كلمة، وبكل حرف، فلا يعرف الملل إلى نفوسهم طريقًا، وبسبب حشد هذا القدر الهائل من الجماليات، يشعر المستمع مع ختام التلاوة أنه قد تلقى وجبة فنية تشبعه وتغنيه.

في ظل حالة التراجع والتردّي التي يعيشها فن التلاوة المصري منذ سنوات طويلة، يصير الشيخ مصطفى إسماعيل وصوته وطريقته ومنهجه طوق نجاة، وخطة إنقاذ، يستعصم بها كل قارئ يريد الابتعاد عن التورط في هدم هذا الفن العظيم، ويهدف إلى وضع أقدامه على الطريق الصحيح.. ولا نعني بهذا الدعوة إلى التقليد، وإنما نقصد فهم الفلسفة العامة للأنماط الموروثة عن أعلام القراء، تلك الفلسفة التي يمثل مصطفى إسماعيل قمة نضجها وتطورها ووضوحها.. إن مظاهر التردي والتراجع في فن التلاوة تحاصرنا من كل جانب: قراء تصدروا قبل أن يتعلموا، وجماهير افتقدت أدوات التمييز بين التِّبر والتراب، وألقاب مزورة، وسماسرة حفلات، وقنوات وصفحات.. فيا مصطفى إسماعيل أغثنا.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram