يحدث في السودان

حريتهن فوق بسكلتة!

تتهادى “سلمى كَفَتْ” على دراجتها الهوائية، متأرجحةً على شوارع الخرطوم المعطوبة، غير عابئة بنظرات الاستهجان والتعليقات الساخرة. تقبض أناملها بإحكام وخبرة على المِقود، في حين تتحرك قدماها على “البيدال” بتناغم مع رداءة الأزقة، فتنهض وتستريح على المقعد؛ وفقًا لإملاءات وشروط تضاريس الطريق الفظة والقاسية. 

“يا لجمال الوقت، حين يسمح للإنسان أن يحقق أحلامه الصغيرة”.. قالتها امرأة سعودية حين سُمِحَ لها بقيادة السيارة أول مرة، وكانت وقتها على مشارف الخمسين.

لربما ردّدت “سلمى كفت” نفس العبارة بطريقتها الخاصة، عندما انضمت إلى “مبادرة الدراجيِّات” السودانيات قبل 4 أعوام، وقد ظلت تقودها سِرًّا منذ أن كانت في العاشرة، كما تقول لـ “ذات مصر”.

سلمى كفت

تضيف “كفت” التي تدربت على ركوب الدراجة الهوائية، وهي طفلة: “الدراجة حياتي كلها، رياضتي ووسيلة تنقلي ووظيفتي. فأنا أوصل بها الطلبات (الديلفري) لتأمين دخل إضافي، لذلك لا أهتم لما يقوله الناس، فهم لن يتركوني في كل الأحوال، وأنا لا أشغل نفسي بهم”.

كسر المألوف

الباحث الاجتماعي نور الدين السُني، اعتبر المبادرة خرقًا للسائد والمألوف وإن لم يكن هذا هدفها بطبيعة الحال. وفي هذه الحالة؛ حالة التضاد مع ما اعتاد عليه المجتمع، دائمًا ما تكون المواجهة صدامية، خاصة إذا كانت السلطة السياسية الحاكمة لا تؤيدها. لكن الآن تجد المبادرة دعمًا معنويًّا من الحكومة الانتقالية.

ويتابع “السني” في حديثه إلى “ذات مصر”: “معلوم أن هامش الحرية اتسع أكثر مما كان عليه إبان الحكومة السابقة، علاوة على توافر الحماية القانونية لناشطات المُبادرة؛ كل ذلك سيسهم في تمددها وانتشارها. وبالفعل أصبحت قيادة الفتيات للدراجات في شوارع العاصمة أمرًا مألوفًا لا يثير الدهشة والاستغراب، ولا الاستنكار والاستهجان”.

دراجة.. وانفتاح!
فتيات سودانيات ضمن المبادرة فوق دراجتهن

ويضيف: “ما فعلته المبادرة على مستوى المجتمع، هو العودة إلى ما كان عليه الأمر قبل انقلاب الإنقاذ 1989، إذ كانت قيادة النساء للدراجات أمرًا يوميًّا لا يلفت الانتباه، ولكنّ أجيالاً كثيرة نشأت على غير ذلك، ولربما هي المستهدَفة من مبادرة الدراجيّات السودانيات. ولحسن الحظ، هذه الأجيال بما توافر لها من وسائل تواصل واتصالات أصبحت مطلعة على ما يدور في العالم، وتأثرت به، وتريد أن تعيش حياةً تغمرها الحُرية والانفتاح، فكانت أن تلقفت المبادرة وشجعتها ودعمتها، خاصة وأن المبادرة تتضمن رسائل مهمة كالعناية بالبيئة والحفاظ عليها”.

لأجل البيئة أيضًا

بالنسبة إلى إيناس مُزَّمِّل، رئيسة المبادرة، فإنّ الدراجة وسيلة رياضة وتنقل رخيصة الثمن، ولا تحتاج إلى وقود، ويمكن لمالِكها القيام بأعباء صيانتها وحده، خاصة وأن قطع غيارها متوافرة، وبالتالي  يمكننا القول إنها مبادرة تضع نفسها في خدمة المجتمع والبيئة والدولة والاقتصاد والرياضة والأسرة.

إيناس مُزمل، مسؤولة المبادرة

تُواصل مُزَّمِّل حديثها إلى “ذات مصر” مشيرةً إلى أن عضوية المبادرة تضم أكثر من 600 ناشطة مسجلة، ولا تزال طلبات الانضمام تتوالى، لكن الأهم أن نجاح المبادرة شجع النساء على ممارسة كل أنواع الرياضات والأنشطة الأخرى علانيةً، ودون خشية أو تردد.

وبحسب مزمل، لم تكتف المبادرة بكونها تستهدف الرياضة والتنقل فقط، بل اعتنت بمشكلات البيئة من خلال العمل على مكافحة الملوِّثات والتقليل من انبعاث الغازات السامة، عبر التوعية الاجتماعية والمساهمة في التشجير، وكل ما من شأنه تحفيز المجتمع لتأمين بيئة نظيفة وصحية، فضلاً عن أنها عززت وجود المرأة في مختلف ضروب الرياضة التي كانت محرومة من ممارستها، مثل كرة القدم.

تعود الذاكرة.. تعود الحياة
أحد شعارات المبادرة

“ما زلت أذكر عام 2018، وكيف اصطف مئات الرجال والنساء على جانبي الطريق، من أجل الفُرجة على عشرات الدراجيّات ضمن المبادرة ومن خارجها، يساندهن شباب يؤمنون بحقهن في مركوب آمن ومستقل، وحقهن في الاختيار الحر. أذكر كيف لوّن شوارع العاصمة السودانية زيُّهن البرتقالي”.. هكذا تحدثت حرم عوض الله، سيدة الأعمال السودانية.

تضيف عوض الله لـ”ذات مصر”: “كان يومًا مميزًا بالنسبة إليّ، إذ استعادت ذاكرتي سنوات حياتي الزاهيات حين كنت في مثل سنهن، وأنا الآن على مشارف الستين”.

تواصل حَرَمْ عوض الله حديثها: “في سبعينات القرن المنصرم،  كُنا يافعات نقود الدراجات الهوائية والنارية، ونمارس السباحة وكرة السلة والكرة الطائرة، ونشاهد الأفلام في دور السينما ونرقص في الديسكو.. كل هذا الإرث المدنيّ انتهى فجأة، وعاد  بنا نظام الإخوان المسلمين إلى القرون الوسطى، ثم أنكر سدنته تمامًا أن السودانيات كُن أحرارًا يومًا ما، لذلك كاد مشهد الشابات الدراجيّات يصيبني بالجنون؛ لم أكن أتوقع أن يحدث هذا وأنا على قيد الحياة”.

وزيرة الشباب والرياضة ولاء البوشي تتحدث إلى رئيسة المبادرة

وفي السياق ذاته أشادت وزيرة الشباب والرياضة السودانية، ولاء البوشي، بهذه المبادرة، واعتبرتها نقلة نوعية في سبيل حصول النساء على حقوقهن، وتوسيع مشاركتهن في المساحات التي كانت حكرًا على الرجال، خاصة وأن المبادرة تسهم في رعاية البيئة والعناية بالتشجير والنظافة، لذلك تجد كل الدعم والمساندة.

"أخت النساء"

إلى ذلك، أطلقت المبادرة مؤخرًا مشروعها الأكثر أهمية، وهو  دمج النساء ذوات الإعاقة في المبادرة، وبالفعل انضمت كثيرات منهن إليها، بحسب رئيستها، التي تتوقع المزيد من إقبال ذوات الاحتياجات الخاصة في مقبل الأيام، وأن تسعى المبادرة إليهن في أماكنهن.

وزيرة التعاون الدولي الهولندية تزور المبادرة

من جانبها، اعتبرت الباحثة في الجندرية والنوع، لمياء عبد العظيم، أن قيمة المبادرة وأهميتها تتمحور، ليس فقط في أهدافها المركزِّية، بل أيضًا  في تفريعاتها الجانبية، مثل تنظيم الندوات والفعاليات وورش العمل، عن كل ما يتعلق بقضايا المرأة من تطوير للتشريعات والقوانين وبسط للحريات، في كل المجالات التي تستهدف إحداث التغيير الاجتماعي المطلوب، في ظل الحريات التي كفلتها الثورة والحكومة الماثلة.

وأضافت: “نحن كناشطات حقوقيات ندعم كل ما من شأنه تحطيم النظرة النمطية للمرأة، من خلال منحها المزيد من الحقوق بالدستور والقانون، وجعلها واقعًا يمشي بين الناس، لا نظريات معلقة في السماء”، على حد تعبيرها.

رعاية المبادرة للبيئة
Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

عبد الجليل سُليمان

صحفي سوداني

مشاركة

أحمد بيكا

رسوم

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram