دراسات وتحليلاتمختارات

يراقبها “جوناثان ماتوسيتس”: محطات الجهاد العالمي

ساهمت الظاهرة الإرهابية التي برزت عالميًّا، خلال العقدين الماضيين، في إعادة رسم صورة العالم ومجتمعه السياسي العام،

 

ساهمت الظاهرة الإرهابية التي برزت عالميًّا، خلال العقدين الماضيين، في إعادة رسم صورة العالم ومجتمعه السياسي العام، ومع ذلك لم تُدرَس بالنحو المطلوب، فقليل من العلماء المشهورين كرسوا وقتهم لتطوير تفسيرات علمية أو اجتماعية ذات مغزى للحروب الجهادية عبر الزمان والمكان.

السطور السابقة، ملخص قصير جدًّا لكتاب “الجهاد العالمي في السياقات الإسلامية وغير الإسلامية” الصادر هذا العام، عن دار ماكميلان في سويسرا، لمؤلفه البروفسيور جوناثان ماتوسيتس، الأستاذ المشارك في مدرسة نيكولسون للاتصالات والإعلام وأحد أبرز المتخصصين في دراسة دور الاتصال في الإرهاب وعولمة الثقافة.

ركز الكتاب الذي جاء في 349 صفحة على رصد وتحليل ظاهرة الجهاد العالمي/ المعولم، على محاولة الإجابة عن التساؤلات: من هم الجهاديون اليوم؟ وأسباب ازدياد أعداد الجماعات الجهادية، وأهم الأفكار المتصلة بالجهاد العالمي اليوم، واللاعبين غير المباشرين، والتحركات داخل الدول الغربية. وكذلك: التطرف كمنحدر زلق، ومواصفات الوسط الراديكالي، وملامح الأيديولوجيات الراديكالية، ومراحل التطرف الإسلامي.

كتاب الجهاد العالمي

تحت مظلة الجهاد

يمكن تلخيص الأسباب والعوامل المؤثرة في التطرف في 9 نقاط هي: التطرف، والتنشئة الاجتماعية، والاغتراب، والدوافع الدينية، والدوافع القانونية، والدوافع السياسية المادية، وصراع الحضارات، والظروف الاقتصادية، والمزايدة والخلافات الداخلية.

وساهمت كل هذه العوامل في تزايد وتيرة العمليات الإرهابية منذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وحتى الآن، وهو ما سجلته دراسة أمريكية سابقة صدرت في عام 2019، وخلصت إلى أن الهجمات الإرهابية زادت 500% منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

وفقًا للكتاب فإن “الجهاد العالمي” مقلق على نحو خاص لأنه يتمتع بدعم شعبي، داخل ساحات الصراع كأفغانستان والشيشان والعراق وكينيا ومالي ونيجيريا، وباكستان والصومال وسوريا واليمن، ودول أخرى.

ومن الدول السابقة، ينحدر من يسميهم الكتاب بـ”جنود الله” ليحاربوا تحت مظلة/ راية الجهاد لإعادة الإسلام بصورته الصحيحة إلى الأرض خصوصًا وأنهم يرون أن الحكومات في الدول العربية مسؤولة عن انحراف المسلمين عن الدين الصحيح، أو بتعبير سيد قطب “يعيشون في جاهلية”.

وتسعى الحركات الجهادية العابرة للحدود كالقاعدة وداعش لإعادة حكم الشريعة على نحو جذري إلى مناطق نشاطهم والعالم أجمع، كما أنهم يرون أن الصراع الكوني بين الخير والشر باقٍ حتى نهاية التاريخ، وبالتالي فيمكن توقع أنهم لن يتوقفوا حتى يخضع العالم كله للنظام الذي يريدونه.

جهادي

المسلمون كضحايا للإرهاب

يمثل الجهاد العالمي أزمة للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، ورغم أن تنظيمات كداعش والقاعدة تتبنى سردية العداء لغير المسلمين، فإن إحصاءات المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب تشير إلى أنه من 82% إلى 97% من ضحايا الهجمات الجهادية (من 2006 إلى 2011) كانوا مسلمين، ومن الأمثلة الإضافية على ذلك هجوم مسجد الروضة بسيناء المصرية عام 2017، حين قُتل 305 مدنيين مسلمين في هجوم لداعش على مسجد للصوفية.

وفي 28 إبريل/ نيسان 2019، نشرت صحيفة سونتاج الألمانية مقالاً بعنوان “18 عامًا من الإرهاب”، جاء فيه أن أكثر من 31 ألف واقعة جهادية وقعت منذ 11 سبتمبر/ أيلول 2001 وأودت بحياة ما يقرب من 150 ألف شخص معظمهم من المسلمين.

كما أن تنظيمات الجهاد العالمي مسؤولة عن تفجيرات انتحارية في عديد من عواصم البلدان غير المسلمة كتفجيرات لندان والهند وروسيا والفلبين وتايلاند.

 

في ذات السياق استنتج ماتوسيتس أن تفكيك تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” أدى إلى تقليل التأثير أو القضاء على “الهالة” المحيطة به، لكنه لم يقلل خطر الإرهاب الجهادي، فالجهاديون الذين يقيمون في أوروبا ارتكبوا بالفعل هجمات إرهابية في الخارج وجندوا أعضاء جددًا، كما تمدد التنظيم عبر مجموعات أخرى مثل بوكو حرام في نيجيريا، وأبو سياف الفليبنية وجماعة أنصار التوحيد في إندونيسيا، فضلاً عن وجود عدد لا يمكن تقديره من الخلايا النائمة.

كما أن تنظيم القاعدة لا يزال فاعلاً قويًّا ويشجع بنشاط الهجمات الإرهابية، بجانب وجود 85 منظمة جهادية أخرى مصنفة جميعًا “منظمات إرهابية أجنبية” من جانب الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة.

وبحسب “الكتاب الأسود للإرهاب في أوروبا” الصادر عام 2019، فإن الجهاديين كانوا مسؤولين عن مقتل أكثر من 90% من بين جميع ضحايا الإرهاب منذ عام 2000. والكتاب من بنات أفكار مايتي باجازور توندوا، عضو البرلمان الإسباني رئيس مؤسسة “ضحايا الإرهاب”.

قوات مكافحة الإرهاب الأمريكية

تعليم علماني وعقلية أصولية

يتضمن الكتاب تأكيدًا على أن كثيرًا من الأيديولوجيين والقادة الجهاديين مثقفون ومطلعون، وفي كثير من الأحيان ذوو تعليم علماني مدني ومن عائلات من الطبقة العليا، في بلادهم، مستدلاً بحالات أسامة بن لادن وأيمن الظواهري والسيد إمام الشريف وأبو مصعب السوري وخالد شيخ محمد، ومحمد عاطف وعبد الله عزام، وهو ما يكشف عن أزمة كبرى تعيشها المجتمعات.

وعلى صعيد آخر، يقرر ماتوسيتس أن “التطرف” ما زال “مفهومًا غامضًا”، ولا يوجد تعريف متفق عليه عالميًّا للتطرف داخل الدوائر الأكاديمية أو الحكومية. وهو عمومًا، عملية تبني أيديولوجية متطرفة، وهي سلسلة خطوات يقوم بها فرد أو مجموعة يعتنقون في نهايتها المثل والطموحات السياسية أو الاجتماعية أو الدينية الثورية التي “تقضي على الوضع الراهن”. ورغم أن التطرف لا يؤدي بالضرورة إلى العنف، فإن معظم الأعمال الأكاديمية تتعامل معه بوصفه عنيفًا أو مقدمة للعمل العنيف أي أنه “ما يحدث قبل أن تنفجر القنبلة”. فهو “التغيير في المعتقدات، المشاعر والسلوكيات في اتجاهات تبرر على نحو متزايد … المطالبة بالتضحية دفاعًا عن الجماعة”.

وتبدأ متوالية التطرف بخطوات قليلة تبدو غير ضارة (مثل أنشطة مثل جمع التبرعات، وفعاليات المساعدة المتبادلة، أو حتى الاحتجاجات) و”رويدًا رويدًا، يتحول الالتزام إلى مثابرة، ويتحول الفضول البسيط إلى شغف”، وبعد هذا تختلط الأفكار بالأعمال الإرهابية.

ووفقًا لإحصاء بحثي تضمنه الكتاب فإن 50% من ممارسي العنف عزوا أسباب سلوكهم إلى الوسط المتطرف، كما أن العلاقات بين التنظيمات العنيفة مرتبطة على نحو وثيق بعقائدها الأساسية وأيدولوجيتها المشتركة التي تجعلها تنظر إلى العالم من خلال تأكيد جوانب معينة من العالم وتجاهل أخرى، ما يجعل “الواقع” الجديد أسهل في الفهم وذا مغزى أكبر، رغم أن الأيديولوجيا قد تكون مجافية للحقيقة.

أسامة بن لادن.. الزعيم الكاريزمي للجهاد العالمي

دراسة حالة

تضمن كتاب “الجهاد العالمي” دراسة حالة أولى عن “الجهاد في السجون الفرنسية”، واعتمدت عمومًا  على تقرير إحصائي صدر في 2015، ونص على أنه بين 67500 سجين في فرنسا آنذاك، كان نحو 70% مسلمين، رغم أن المسلمين يمثلون فقط 8% من سكان الدولة.

وبحسب مسؤولين فرنسيين، يؤدي اكتظاظ السجون ونقص الموظفين إلى تضخيم الظروف التي تجتذب المساجين نحو التطرف. كما أن السجون التي تدار بنحو سيئ تجعل الكشف عن الراديكاليين صعبًا، وتخلق الفضاء المادي والأيديولوجي حيث يتمكن المتطرفون من التجنيد واحتكار الخطاب عن الدين والسياسة.

وركزت دراسة الحالة الثانية على “الجهاد في أمريكا”، وأورد المؤلف تقريرًا صادرًا عن مدير المخابرات الوطنية الأمريكية، جاء فيه أن أكثر من 15% من الإرهابيين المشتبه بهم المفرج عنهم من “جوانتنامو” عادوا للإرهاب، وكانت هذه حال عبد الله محسود الذي انضم، بعد إطلاق سراحه، إلى حركة طالبان وارتكب هجمات إرهابية. وفي النهاية، فجر نفسه في هجوم انتحاري.

التفكير الجماعي كطريق للتطرف

يؤدي التفكير الجماعي إلى استقطاب جماعي، ويميل أعضاء المجموعات المتشابهة للتفكير بطرائق مضادة للجماعات التي تعتبرها في خانة العدو، وهذه الطريقة من التفكير تعلي من شأن العقليات المتطرفة داخل أعضاء المجموعة والذين يساهمون بعد ذلك في تطرف الأفراد، في ما يُعرف بظاهرة “الانفعالات الجماعية”.

ومن خلال دور دعاة الكراهية ورجال الدين المتطرفين يكون تجنيد الجهاديين المحتملين وجعلهم متشددين على أساس منتظم، والجهاد عندئذٍ يكون ضد الجميع، وليس فقط ضد حكومة العدو أو الجيش، وذلك وفقًا لـ”نظرية الهوية الاجتماعية”.

وتمنح عضوية المجموعات أو الجماعات الشخص شعورًا متزايدًا بالفخر والمكانة في عالمه الاجتماعي، وهو ما ينطبق خصوصًا على التطرف الجهادي للأفراد وحركة الجهاد العالمية الأكبر. وفي الفكر الجماعي، يكون التعامل مع الضحايا على أنهم دون البشر ليُقتَلوا دون تمييز. والمجندون في التنظيمات الإرهابية يتدربون على قبول تجريد الآخرين من إنسانيتهم. ومع تطور تصورات التهديدات تجاه داخل المجموعة، يتراجع أعضاء المجموعة أكثر فأكثر إلى داخل المجموعة للحماية من القوى الخارجية. وقد صُنِّف موقف الفصل الذاتي هذا بقلم بيتر هين، عضو البرلمان البريطاني (2011)، وكان موضع  “قلق” المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في عام 2010.

كما أن التطرف إحدى عمليات المسلمين الغربيين المهمشين الشباب لإعادة تأكيد هويتهم الدينية في بيئة غير إسلامية، و”في الإسلام الراديكالي”، يجد الأفراد “طريقة لإعادة صياغة شعورهم بالاستبعاد وترشيده”. وربط الإرهاب بالإسلام وسع صدع انعدام الثقة بين المسلمين وغير المسلمين، التي يمكن القول إنها “تصير مبررًا لمجتمع منقسم”.

ومن جانب آخر تبرز ظاهرة المنطقة ذات الثقافة الفرعية التي ترغب في تطبيق قوانينها وتقاليدها، أو أنماط حياة (غالبًا تتعارض مع التيار الرئيس للمجتمع) وهذا ينطبق على حالة المسلمين في بعض الدول الأوروبية التي توجد بها أقليات إسلامية كبيرة العدد كبلجيكا وفرنسا وألمانيا، التي قامت فيها الجاليات بتأسيس ثقافات فرعية كبيرة لدرجة أن كلاً منها صارت ببساطة “دولة داخل الدولة”.

وعلى ذات الصعيد، ورغم شيوع انتماء الإرهابيين إلى دول مشرقية، فإن عددًا كبيرًا بل مذهل منهم صار من مواليد دول غربية (أوروبا، بريطانيا، كندا، أستراليا، أمريكا)، وبين ما يقرب من 25.000 مقاتل أجنبي في سوريا كان من 4000 إلى 5000 ينتمي إلى الغرب.

وفي أوروبا يواجه الجيل الثاني والثالث من المسلمين مجتمعات أكبر من أتباع التفكير نفسه، وينمو هذا الشعور بالانتماء، ويزداد التزامهم بالعنف الجهادي. وبسبب الاغتراب الاجتماعي المتصور، يترسخ الشك والحذر من السلطات. عندئذٍ يصير الجهاد صرخة معركة وأداة تحرير لجميع المسلمين، معركة يجب شنها على جبهات متعددة. وكشفت دراسة أخرى أن المسلمين الهولنديين واجهوا المزيد من التمييز في فرص العمل، وهذا الحرمان النسبي سبب معقول للجهاد المحلي مثل “شبكة هوفستاد” (مجموعة جهادية هولندية). مع ذلك، فإن القضية المثيرة للجدل أن العديد من الجهاديين كانوا مواطنين مندمجين جيدًا في الدول التي يستهدفونها.

مقاتلو داعش

وقد خلصت دول أوروبية عدة إلى أنه منذ تسعينات القرن الماضي، فشل نموذج تيار التعددية الثقافية وأدى إلى نمو الثقافات الفرعية والعزلة الاجتماعية للأقليات مثل المسلمين. ونتيجة ذلك أن السياسيين عبر الطيف السياسي كله (الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي، رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون، المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل) صرحوا بأن “التعددية الثقافية سياسة فاشلة”. وقد ظهرت بسبب هذا “الأصولية الجديدة” لأنها تجمع بين السلفية والحداثة التكنولوجية ورفض الثقافات الغربية الحديثة والعولمة، وهي تجتذب الشباب المنفردين لأنها تحولهم من الاغتراب الاجتماعي إلى “صالحين”، بسبب التماهي مع الإسلام العابر للحدود المصمم على حتمية الهيمنة على جميع المجتمعات.

 

ممدوح الشيخ

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى