وجهات نظر

يوتوبيا “بوبر” وديستوبيا منتصر والبحيري وزيدان

محمد السيد الطناوي

في محاضرة له بعنوان “التسامح والمسؤولية الفكرية” وضع الفيلسوف الإنجليزي كارل بوبر قواعد تنظم العمل الفكري والثقافي وقدمها على هيئة أخلاق جديدة يمكن أن تحل بديلاً عما أسماه الأخلاق القديمة للمثقفين. وتوسعة لهذا المبحث المهم، أعاد بوبر صياغة محاضرته وضمها إلى كتابه الأشهر “نحو عالم أفضل”.

يخبرنا بوبر أنه في مجال المعرفة نحن معنيون بالبحث عن الحقيقة لا اليقين، من ثم أي نتيجة نتحصل عليها هي محل للشك. فما دام الخطأ صفة بشرية، لا ينبغي أن يتوقف إدراكنا على ضرورة معالجة أخطائنا فقط، إنما أن نعلم أيضًا أننا لن نتأكد أبدًا ـرغم اتخاذنا كل الاحتياطات اللازمةـ من كوننا لم نخطئ. فمن المستحيل إدراك اليقين في المعرفة العلمية أو الفكرية، وأبلغ ما نرجوه هو معرفة الحقيقة.

الحقيقة موضوعية لكن اليقين ذاتي، ووفق ذلك لا وجود لـ”معرفة يقينية”، ولا إمكانية لتحصيل أبعد من “المعرفة الحدسية”، فبعبارة الشاعر الإغريقي زينوفانيس: “كل شيء ليس إلا نسيجًا محبوكًا من التخمينات”.

أما المبادئ التي يجري على قاعدتها البحث عن الحقيقة، فأوجزها بوبر في:

ـ مبدأ اللا عصمة: إذا كنتُ مخطئًا فقد تكون أنت مصيبًا، لكن هناك احتمالاً ثالثًا، أن يكون كلانا مخطئًا.

ـ مبدأ الجدل العقلي: انحيازك لصالح فكرة أو ضدها، يكون بالحكم على الحجج المعروضة بأقصى درجة من الموضوعية يمكن بلوغها.

ـ العنصر الثالث الموغل في الأهمية هو مبدأ الاقتراب من الحقيقة، ففي غالبية مجالات المعرفة أقصى ما يمكننا بلوغه هو “الاقتراب من الحقيقة”، وإدراك هذا المبدأ يحفز على فهم أفضل لما تؤمن به أو لما يعتقده الآخر.

وينبه بوبر إلى نقطة لها دلالتها المهمة، أن المبادئ الثلاثة إضافة إلى كونها مبادئ أبستمولوجية فهي أخلاقية، باعتبارها محرضة على التسامح، وتفيد كذلك نِدِّيّة الطرف الآخر. أما الأخلاقيات الجديدة المراد من خلالها ضبط ساحة العمل الفكري، فارتكزت لدى بوبر على اثنتي عشرة قاعدة، تشتد إليها حاجة مجتمع تسمه الفوضى المعرفية مثل مجتمعنا، ويمكن عرضها بإيجاز:

1ـ بما أن المعرفة الحدسية الموضوعية في أي مجال بلغت حدًّا يحول دون الإلمام به أو إتقانه، من ثم تنتفي أي سلطة امتكلها المثقف سابقًا ورسّخ لها توهم قدرته على المعرفة بكل ما يقع  في دائرة اختصاصه.

2ـ من المستحيل تجنب الأخطاء.

3ـ هذه القاعدة لا تنفي المحاولة الدؤوب لتلافي الخطأ، والمعنى المراد أن ندرك فقط أننا لن نستطيع تجنب الخطأ.

4ـ مهمة العالم البحث عن الأخطاء في النظريات التي تبدو موثوقة، واكتشاف الأخطاء بها يعد أمرًا هامًّا بالنسبة إلى المعرفة.

5ـ هذا السياق الجديد يتطلب تعديل موقفنا من الأخطاء، ففي المنظومة الأخلاقية القديمة كان علينا إخفاء أخطائنا حتى تبقى سرية، أما في المنظومة الجديدة فنعرف أنه لا سبيل لتجنب الأخطاء، ونعترف بقيمتها.

6ـ علينا أن نتعلم من الأخطاء إذا أردنا أن نتجنب الوقوع في الخطأ.

7ـ لا بد من أن نُعنى دائمًا بالبحث عن الخطأ لنحلله، مستهدفين بلوغ جوهر الأشياء.

8ـ هذا يعني أن نحرص على النقد الذاتي.

9ـ تقبل الوقوع في الخطأ يشجع على الامتنان لمن ينبه إليه.

10ـ هناك حاجة دائمة إلى الآخرين بغرض اكتشاف أخطائنا وتصحيحها.

11ـ النقد الذاتي هو الأكثر فاعلية، لكن نقد الآخرين ضروري ويكاد يكون على نفس الدرجة من الأهمية.

12ـ الاقتراب من الحقيقة يتطلب الابتعاد عن النقد غير الموضوعي الذي يستهدف الأشخاص لا الآراء.

تزداد أهمية هذه القيم الأبستمولوجية والأخلاقية في مجتمعات استحالت حياتها الفكرية والثقافية إلى ساحة حرب، لا يُعنى أمراؤها المتصدرون المشهد الثقافي والإعلامي بالبحث عن الحقيقة بقدر ما يروجون لليقين في أحاديثهم وأطروحاتهم، فلا يبصر أحدهم أخطاء وقع فيها أو ارتكبها من ينتمي إلى عشيرته الفكرية.

ينصب جهد الجميع لا على اكتشاف الأخطاء ومعالجتها بل على دفنها وإخفائها عن الأعين، وبذلك تنتفي أي إمكانية للتعلم من الأخطاء وتصحيحها، ويغيب بطبيعة الحال النقد الذاتي، كما لا تُعرف قيمة للخطأ وبالتبعية لا يشعر أمراء الحرب الفكرية بالامتنان إذا ما نبههم أحد لما وقعوا فيه من خطأ. كذلك تحتجب أي فرصة لتشكيل محاججات أو براهين وأدلة جديدة، وتكون النتيجة حالة من التكلس والمراوحة يستشعرها الجميع وإن لم يعترف البعض بها.

من بين ما نستنتجه من هذه الصورة أن الدوجمائية لا تقتصر على توجه فكري أو أيديولوجي بعينه (فالليبراليون بمجتمعنا مثلاً غير بعيدين عن هذه الوصمة)، ولا قيمة لأي حوار يصطنعه طرف من أطرافها، لأن الحوار لن يستهدف بالتأكيد “الاقتراب من الحقيقة” عوضًا عن الوصول إلى اتفاق، وكنموذج لنقاش حمل تلك القيمة، أو لعله ألهم بوبر فأشار في أطروحته إلى الحوار الشهير الذي دار بين أينشتين ونيلز بور.

رصد بوبر أن العالمين حافظا على موقفهما ولم يصلا إلى اتفاق، وإن كان بور اضطر إلى إجراء تعديلات على مواقفه كما أن “كلاً منهما جعل آراءه أكثر وضوحًا، وتمكن كلاهما من العثور على محاججات جديدة”.

في حالة الاحتراب الفكري أو الثقافي لا مجال لتحصيل تلك الإيجابيات، ليتحصن كل طرف وراء مقولات وأفكار عزف أصحابها أو متبنيها عن تطوريها، بحيث لا يجد المتابع العادي صعوبة في إدراك كونها مكرورة ومستهلكة، لكن هذه الحالة، حالة الحرب والاصطفاف، تتيح للمثقف أو من يلعب دوره تقوية سلطته في حين تنكرها أخلاقيات بوبر، فالمثقف لديه لا يملك أي سلطة.

هذا الطرح لأخلاق عملية الغرض منها تنظيم الحياة الفكرية، يختمه بوبر بحلم يوتوبي “يمكن فيه للمرشح لمقعد نيابي أن يأمل الحصول على أصوات الناخبين عبر إعلانه بفخر كيف أنه اكتشف خلال العام المنصرم واحدًا وثلاثين خطأ ارتكبها، وسعى لتصحيح ثلاثة عشر من بينها، في حين اكتشف منافسه سبعة وعشرين خطأ وحسْب، حتى لو كان صرح بأنه صحح بدوره ثلاثة عشر خطأ منها.. إن مثل هذه اليوتوبيا ستكون يوتوبيا التسامح”.

قد لا نستطيع مسايرة بوبر في حلمه، فواقعنا يجعل مسايرته غير مشروعة، لكن يمكن تمني أمنية واقعية ممثلة في إنهاء حالة الاحتراب الفكري، بإبعاد أمرائها المستدعين إلى الشاشات، أمثال الدكتور خالد منتصر والأستاذ إسلام البحيري والدكتور يوسف زيدان، الذين قد يستشعر معهم حتى المشاهد العادي حالة من التحفز والترصد، وأن موادهم ليس غرضها “الاقتراب من الحقيقة” بل هي قذائف ودانات، وحتى بمنطق الحرب البسيط، فإن تحقيق النصر يستلزم تخطي مرحلة التمهيد النيراني، وإلا تستحيل الأرض إلى خراب دون إحراز أي تقدم أو نصر.

 

 

محمد السيد الطناوي

كاتب مصري Mohamed.altanawy1@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى