رياضة

يورو 2020 وإشكاليات الهوية الأوروبية

انطلقت أخيرًا بطولة الأمم الأوروبية (يورو 2020) في صيف هذا العام. وبشكل استثنائي بسبب تبعات جائحة فيروس كورونا، تُقام المباريات لأول مرة في 11 مدينة أوروبية تستضيف هذا الحدث الرياضي الكبير، حيث يهدف الاتحاد الأوروبي “يويفا” إلى تعزيز المشاركة والتواصل بين الشعوب الأوروبية.

وتركز الهوية البصرية للبطولة سواء من خلال شعارها الرسمي، أو عبر شعارات المدن المستضيفة، على مفهوم الوحدة والحوار والتقارب بين الأمم الأوروبية المختلفة، حيث يظهر رمز بصري موحد “الجسر” في شعارات المدن الخاصة بالبطولة، كجسر “فيتلسباخر” في مدينة ميونخ الألمانية، وجسر “سانت أنجلو” في العاصمة الإيطالية روما على سبيل المثال.

من اليمين: شعار بطولة يورو 2020، وشعار اليورو في مدينة ميونخ الألمانية، وشعار اليورو في مدينة روما الإيطالية.

إقرأ أيضا: السوبر الأوروبي..حين تواطئنا على إفساد اللعبة

رموزًا وطنية

على الجانب الآخر، تُظهِر شعارات المنتخبات المشاركة في بطولة الـ (يورو 2020 ) اعتزازًا شديدًا بالهويات الوطنية والعرقية والدينية والتاريخية واللغوية الخاصة للدول المشاركة، ولأنه شعار المنتخب الوطني، فمن الطبيعي أن يعبر الشعار عن الهوية الوطنية للبلد، لكن الشعارات تتفاوت كثيرًا في التعبير عن مفهوم الهوية الوطنية.

فشعار منتخب تركيا مباشر للغاية ويستخدم العلم التركي بهلاله ونجمته الخماسية وإن كان بشكل دائري عوض شكل العلم المستطيل، والهلال هو رمز بصري تقليدي للدين الإسلامي، ويعود ابتكاره إلى العثمانيين الأتراك أنفسهم.

ويستخدم منتخب سويسرا أيضًا العلم السويسري الذي يتكون من صليب أبيض منتظم على خلفية حمراء، بشكله المربع المميز، وهو العلم المربع الوحيد في العالم إلى جانب علم الفاتيكان، ويظهر الصليب أيضًا في الشعار الجميل للاتحاد السويسري لكرة القدم، الذي يعكس ببلاغة مفاهيم المدرسة السويسرية في التصميم.

والمُلفِت للنظر أن المنتخبين التركي والسويسري سيلتقيان في العاصمة الأذرية باكو في ختام مباريات المجموعة الأولى، وسيكون من الصعب أن نتجاهل هذه المفارقة البصرية بين شعاري المنتخبين!

من اليمين: شعار منتخب تركيا، وشعار منتخب سويسرا، وشعار الاتحاد السويسري لكرة القدم.

إلى جانب علم الدولة، تستخدم الشعارات رموزاً وطنية أخرى كالشعار الرسمي للدولة، وهو ما يُلاحظ في شعاري منتخبي بولندا والمجر، وهنا يكتسب المنتخب الوطني صبغة وطنية رسمية تمامًا، لكن الشعار يفتقر إلى أي خصوصية رياضية.

من اليمين: شعار منتخب المجر، وشعار منتخب بولندا.

وتداركت النمسا هذه الإشكالية في التصميم الجديد لشعار المنتخب، وطوّعت شعار الدولة الرسمي إلى هوية بصرية رياضية أكثر، وهو ما نراه أيضاً في شعار المنتخب الأسباني.

من اليمين: شعار منتخب إسبانيا، وشعار منتخب النمسا.

ولم يكتفِ شعار منتخب أوكرانيا باستخدام رمز “تريزوب” الشعار الرسمي للدولة بتصميم عصري ورياضي لتأكيد الهوية الوطنية، بل جاء تصميم القميص الخاص باليورو مُحمَّلًا برسائل سياسية مباشرة، فالقميص يُظهِر خريطة أوكرانيا مُتضمِنة شبه جزيرة القرم التي ضمّتها روسيا في عام 2014، بالإضافة إلى عبارتي “المجد لأوكرانيا” و”المجد للأبطال” في ظهر القميص، ما أثار غضب الدولة الروسية التي احتجت رسمياً باعتبار أن القميص الأوكراني يستخدم شعارات بخلفية سياسية، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للوائح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وتناسى الروس أن شعار منتخبهم الوطني يعج أيضًا بالرموز السياسية والقومية.

من اليمين: قميص منتخب أوكرانيا يُظهِر خريطة البلاد متضمنة شبه جزيرة القرم، وشعار منتخب أوكرانيا، وقميص المنتخب الأوكراني مع عبارة المجد لأوكرانيا.

الصليب الإسكندنافي

تؤكد شعارات المنتخبات الاسكندنافية -فنلندا والسويد- على الهويات القومية من خلال اسم الدولة بلغتها الوطنية، إضافةً إلى علمي البلدين، والمُكوَّن أساسًا من صليب الشمال أو الصليب الإسكندنافي، وهو صليب يعود للقديس “فيليب الرسول” أحد رسل المسيح الإثني عشر، ويُعد من الرموز الدينية-الوطنية لدول الشمال منذ القرن الثالث عشر الميلادي.

ورغم أن العلم الدنماركي هو أقدم الأعلام التي اعتمدت الصليب الإسكندنافي، إلا أن شعار المنتخب لا يحوي علم الدنمارك أو الصليب الإسكندنافي، ويكتفي الشعار بتأكيد العراقة الرياضية بإدراج سنة تأسيس اتحاد كرة القدم، وهو شعار كلاسيكي يعكس تأثيرات مدرسة الـ “آرت نوفو” الفنية بتشابك الحروف والزخارف المميزة.

من اليمين: شعار منتخب فنلندا، وشعار منتخب السويد، وشعار منتخب الدنمارك.

أما شعار منتخب البرتغال فيخلو من أي هوية رياضية، فيما تعلو القيم الدينية والقومية في الشعار الذي أتى على شكل الصليب البرتغالي، الذي يعود استخدامه إلى فرسان الهيكل أثناء الحروب الصليبية، ويعد رمزًا وطنيًا للبرتغال منذ اعتمده “هنري الملاح” شعارًا لمملكة البرتغال في القرن الخامس عشر، وأصبح أيقونة بصرية لحركة الكشوف الجغرافية البرتغالية.

ويتوسط الصليب الشعار الرسمي للبرتغال، برموز “الكيناس الخمسة الزرقاء”، ويسود الاعتقاد محليًا أنها ترمز إلى الجروح الخمسة المقدسة للمسيح أثناء الصلب، أو ربما تشير إلى ملوك المرابطين الخمسة، الذين هزمهم ألفونسو الأول مؤسس مملكة البرتغال في معركة “أوريك” عام 1139م.

شعار منتخب البرتغال.

الألوان السلافية

تظهر الألوان السلافية “الأحمر والأزرق والأبيض” في شعارات المنتخبات “السلافية” المشاركة في البطولة، وهي منتخبات روسيا وسلوفاكيا وكرواتيا، وقد تم اعتماد هذه الألوان رسميًا من قبل القومية السلافية في منتصف القرن التاسع عشر.

ويستخدم شعار المنتخب الروسي إلى جانب الألوان، رمزًا قوميًا آخر مُستمدًا من الشعار الرسمي للدولة، وهو النسر المزدوج ذو الرأسين، رمز الإمبراطورية الروسية. بينما يُوظِف شعار المنتخب السلوفاكي أيضًا شعار الدولة الرسمي “الصليب البيزنطي المزدوج” ضمن تصميم جميل لكرة قدم، وهو ما فعلته أيضًا كرواتيا التي تستخدم رمز “الشاهوفنيكا” رقعة الشطرنج التي تعد رمزًا للكروات منذ القرن الخامس عشر، وقد أصبح الشطرنج الكرواتي “براند” عالمي بعد النجاحات الرياضية لمنتخب كرواتيا.

من اليمين: علم وشعار منتخب روسيا، وعلم وشعار منتخب سلوفاكيا، وعلم وشعار منتخب كرواتيا.

على النقيض من ذلك نجد شعارات أخرى بألوان ليست من العلم الوطني، لكنها ألوان وطنية ذات خلفية تاريخية وسياسية، مثل منتخب إيطاليا الذي يرتدي اللون الأزرق، رغم أن اللون لا يتواجد في العلم الإيطالي، لكن تم اعتماد الأزرق منذ عام 1911 باعتباره اللون الرسمي لأسرة “سافوي” التي حكمت المملكة الإيطالية، ما أكسب الطليان لقب “الآزوري–الأزرق”.

الأمر نفسه ينطبق على المنتخب الهولندي الذي يصطبغ شعاره باللون البرتقالي الشهير، وهو اللون الرسمي لأسرة “أورانج” المالكة في هولندا، كما أن الأسد مُستمَد أيضًا من شعار النبالة الملكي.

أمّا منتخب ألمانيا فيعتمد ثنائية الأبيض والأسود لقمصان المنتخب، ووهي المُستمَدة منذ بدايات القرن العشرين من ألوان علم الإمبراطورية الألمانية القيصرية (1871-1918).

من اليمين: شعار منتخب ايطاليا، وشعار منتخب هولندا، وشعار منتخب ألمانيا.

أسود المجموعة الرابعة

يشتهر المنتخب الإنجليزي بلقب “الأسود الثلاثة”، وهو لقب مُستمَد من شعار المنتخب الذي يقتبسه من الشعار التاريخي للملك ريتشارد قلب الأسد الذي حكم إنجلترا بين عامي (1189-1199). وإمعانًا في تأكيد الهوية الوطنية، يُرصَّع الشعار بزهور “لانكاستر الحمراء”، الرمز التاريخي لأسرة “تيودور” خلال حرب الوردتين، وهو شعار وطني محض، لكنه ليس شعارًا رياضيًا، ولا يعكس كون إنجلترا هي مهد كرة القدم بالأساس.

كذلك يمتلك الجار الاسكتلندي، شعارًا مماثلًا، يظهر أيضًا الأسد من الشعار الملكي لاسكتلندا، مع زهور الشوك ذات الرمزية الوطنية والتاريخية. وعلى عكس الإنجليز، يؤكد المنتخب الاسكتلندي على عراقته الكروية باعتباره أقدم المنتخبات في العالم إلى جانب إنجلترا، إذ تأسس عام 1873.

أمّا شعار منتخب التشيك، فيتكوَّن من شكل الدرع التقليدي بالألوان السلافية للعلم التشيكي، ويظهر الأسد البوهيمي مزدوج الذيل، وهو رمز قومي لبوهيميا وباقي الأراضي التشيكية منذ العصور الوسطى.

من اليمين: شعار منتخب إنجلترا، وشعار منتخب اسكتلندا، وشعار منتخب التشيك.

الديك الفرنسي والتنين الويلزي

يعتمد شعار المنتخب الفرنسي مفهومًا مختلفًا لإبراز الهوية القومية الفرنسية، باستخدام الديك الفرنسي وهو رمز قومي غير رسمي في فرنسا، حيث كان الديك شعارًا لبلاد الغال، ثم رمزًا للضمير المسيحي بعد ذلك، وكذلك يشير الديك إلى اليقظة والنهضة إبان الثورة الفرنسية، ولرمزيته البصرية المكثفة يكتفي الشعار بالديك دون أي إطار أو شكل الدرع التقليدي لشعارات كرة القدم.

ويتبع منتخب ويلز نفس المفهوم بالاستعانة بالتنين الأحمر من علم ويلز، وإن اختلفت وضعية التنين في الشعار عن العلم، والتنين رمز يرتبط بشكل وثيق بالتاريخ الويلزي منذ أكثر من ألف سنة، كما استخدمته أسرة تيودور -ذات الأصول الويلزية- كشعار لها خلال حرب الوردتين.

من اليمين: شعار منتخب فرنسا، وشعار منتخب ويلز.

أزمة الهوية المقدونية

بعد ضغوط شديدة من قبل الجارة الجنوبية اليونان، تقرر في العام 2018 تغيير اسم جمهورية مقدونيا إلى “شمال مقدونيا” بعد استفتاء شعبي، حيث ترى اليونان أن اسم “مقدونيا” خاص بمقاطعتها الشمالية، وهي عماد التراث والتاريخ اليوناني، باعتبار المنطقة هي مهد الاسكندر الأكبر. إذن كيف تعاملت الهوية البصرية لشعار منتخب كرة القدم المقدوني مع هذه الأزمة الهوياتية؟

في الحقيقة، تعامل الشعار بشكل سئ للغاية مع هذه المسألة، تصميم فقير بصريًا بأبجدية غير عالمية، لا يعكس هوية بلد كانت تناضل بشدة في السنوات الأخيرة من أجل هويتها، مع غياب تام لعلم الدولة المميز الذي تغير كذلك استجابة لضغوط اليونان.

وهنا لابد أن يحضرنا الشعار الجديد لمنتخب بلجيكا، الذي تفادى أزمة الهوية البلجيكية المنقسمة لغويًا وعرقيًا بين الفلامند “المتحدثين بالهولندية” والفرانكفون “المتحدثين بالفرنسية”، فاستخدم اللغة الإنجليزية كحل وسيط، وتصميم الشعار البلجيكي ذكي وجميل للغاية، بتكثيف رموز بصرية كثيرة دون ثرثرة أو تشويش، فالشعار يُظهِر علم بلجيكا ونظامها الملكي، والحرف الأول من اسمها (b)، الذي يُشكِّل أيضًا كرة قدم… شعار مثالي.

من اليمين: شعار منتخب مقدونيا الشمالية، وشعار منتخب بلجيكا.

عمر فرحات

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى