زوايامختارات

“يوغسلافيا جديدة؟”: مستقبل الفيدرالية في إثيوبيا بعد حرب تيجراي

 

تقف الفيدرالية الإثيوبية عند مفترق طرق في ضوء التطورات الجوهرية التي طرأت على المشهد السياسي منذ صعود رئيس الوزراء آبي أحمد عام 2018، الذي جاء برؤية شاملة لخدمة طموحه السياسي في السلطة، وذلك عبر إحلال نموذج الدولة المركزية الوحدوية محل نظام الفيدرالية (والذي يقوم على أساس التعددية العرقية في بلد يمثل متحفًا للشعوب لتعدد قومياته الإثنية).

وقد بدا أن آبي أحمد واثقًا من قدرته على إخماد أية اضطرابات أو احتجاجات تعرقل وصوله إلى هدفه الرئيس، وقد تعزّزت هذه الرؤية بعد انتصاراته في حربه ضد إقليم تيجراي، الأمر الذي يُهدِّد مستقبل الفيدرالية العرقية في إثيوبيا خلال المرحلة المقبلة.

آبي أحمد

محفزات آبي أحمد

جاءت سلسلة الإصلاحات التي أجراها رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، منذ توليه السلطة في إبريل/ نيسان 2018 على المستوى الداخلي كمقدمة لمشروعه المثير للجدل حول مستقبل الحكم في إثيوبيا، وقد عبّر عنه في فلسفة “مديمر” التي تعني التضامن باللغة الأمهرية، وتتمحور حول تقويض الفيدرالية العرقية في البلاد لأجل بناء دولة مركزية تنتهي معها الاختلافات القومية وبناء هيكل تنظيمي مركزي واحد، لأن آبي أحمد يرى أنه يعالج معضلة التفكك العرقي والتشتت السياسي، ويحول دون انخراط البلاد في الصراعات الإثنية والتعرض للتفكك إلى دويلات صغيرة تقوم على أساس عرقي.

وقد سعى آبي أحمد إلى تعزيز رؤيته عبر تأسيس حزب الازدهار في نوفمبر 2019، وهو تحالف يضم 3 أحزاب من الائتلاف الحاكم السابق (حزب الأورومو الديمقراطي، وحزب أمهرة الديمقراطي، والحركة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا) باستثناء جبهة تحرير شعب تيجراي، التي رفضت الانضمام إليه واعتبرته انقلابًا دستوريًّا. وقد حظي هذا التحالف بتأييد أحزاب أخرى من أقاليم عفار والصومال الإثيوبي وجامبيلا وبني شنقول-جوموز وهرر. وهو ما يرغب آبي في تصديره إلى الرأي العام الإثيوبي والدولي، حول اتساع قاعدة التأييد له ولخطواته السياسية.

في المقابل، تُقاوم المعارضة السياسية رؤية آبي أحمد وتتهمه بالتطلع إلى السيطرة المطلقة على مفاصل الدولة الإثيوبية وأقاليمها، وترى أن إلغاء الفيدرالية الإثنية تعني إلغاء الدستور الإثيوبي نهائيًّا، ومن ثَمَّ فهي تريد الاحتفاظ بالشكل الفيدرالي للدولة الإثيوبية القائم على التعددية كمكتسب مهم كافحت من أجله القوميات الإثيوبية. وقد اعتبر الكثيرون تأسيس حزب الازدهار على أنقاض الائتلاف الحاكم السابق أنه انقلاب على الشرعية، ويخلق حالة من الاحتقان السياسي.

ويمكن القول إنه يوجد عدد من المحفزات التي تدفع آبي أحمد إلى التخلي عن نظام الفيدرالية العرقية لصالح مشروعه السياسي المركزي، ويتمثل أبرزها في:

  • خلق حلفاء جدد:

يستعين آبي أحمد بحلفائه من الأمهرة وعدد من القوميات الإثيوبية الأخرى لتمرير مشروعه السياسي والتصدي للمعارضين الرئيسين له، لا سيما قوميتي تيجراي والأورومو، ويُروِّج آبي أن الفيدرالية شديدة الهشاشة ولا بد من تفكيكها وإحلال نظام جديد محلها، نظرًا إلى ما أثاره هذا النظام الفيدرالي من اضطرابات وصدامات بين أبناء القوميات المختلفة خلال السنوات الأخيرة. ومن ثَمَّ فإن الأزمات التي تمر بها الدولة الإثيوبية تحتاج إلى ديمقراطية حقيقية بعيدة عن العرقية والقبلية.

  • بث القلق لدى الرأي العام الإثيوبي:

يعبّر آبي عن خشيته من انهيار إثيوبيا بتاريخها الطويل بسبب النظام السياسي القائم على الفيدرالية العرقية، وروّج أن اعتراف الدستور الفيدرالي بالعرقيات يعد سببًا في انتشار الاضطرابات على أساس عرقي، وهو ما انعكس في حالة التأييد الشعبي -ولو نسبيًّا- للعملية العسكرية “إنفاذ القانون” التي شنها الجيش الإثيوبي ضد إقليم تيجراي منذ 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي حسب ما صورتها التظاهرات المؤيدة التي انطلقت في عدد من المدن والأقاليم تأييدًا للجيش الإثيوبي. وإن كانت شعبية آبي أحمد قد تراجعت بنحو ملحوظ خلال العامين الماضيين، بفعل سياساته الداخلية التي لم تلق قبولاً واسعًا.

  • التخلص من المعارضة السياسية:

تقف جبهة تحرير تيجراي الشعبية وجبهة تحرير الأورومو بمثابة حجر عثرة أمام آبي أحمد في تمرير مشروعه السياسي في البلاد، باعتبارهما أكبر كيانين معارضين لسياساته منذ صعوده للسلطة في 2018، وهو ما برّر حربه ضد إقليم تيجراي للتخلص من قادة الجبهة، واحتوائها، وتوجيه رسالة قوية للأقاليم المعارضة الأخرى لتحجيمها دون الانخراط في أية أعمال عدائية ضد الحكومة الفيدرالية مستقبلاً.

  • الاستئثار بالسلطة:

يبدو أن لدى آبي أحمد رغبة في تكرار تجربة حليفه الرئيس أسياس أفورقي في إريتريا بترسيخ النموذج الأوتوقراطي للقيادة في السلطة -حكم الفرد- من خلال الاستحواذ على كل مفاصل الدولة تحت سيطرته، وذلك على أنقاض الائتلاف الحاكم السابق الذي سيطر على الحكم منذ عام 1991.

ويُمكّن ذلك آبي أحمد من فرض رؤيته حول مستقبل النظام السياسي في إثيوبيا خلال السنوات المقبلة، وضمان استمراره على رأس السلطة لأطول فترة ممكنة، وتحقيق الطموح الشخصي له بتدشين حقبة سياسية جديدة في التاريخ الإثيوبي، كامتداد لرئيس الوزراء الأسبق الراحل ميلس زيناوي الذي ترك السلطة في 2012.

أسياس أفورقي

 

  • تغيير الدستور الإثيوبي والتخلص من المادة 39 للأبد:

لدى السلطة الحاكمة في إثيوبيا تخوف من استغلال المادة 39 في الدستور الفيدرالي التي تعطي الحق للشعوب والقوميات الإثيوبية في تقرير مصيرها، خاصة في ضوء التوترات السياسية والاضطرابات الإثنية التي تشهدها البلاد خلال الفترة الأخيرة، الأمر الذي يمثل تهديدًا صريحًا لوحدة الدولة الإثيوبية وينذر بانقسامها وتفتيتها إلى دويلات صغيرة على غرار يوغسلافيا في حقبة التسعينات بالقرن الماضي.

  • ومن ثَمَّ، يرى آبي أحمد في تحول الدولة الإثيوبية إلى نظام مركزي مكسبًا كبيرًا في ما يتعلق بتغيير الدستور الفيدرالي الذي أُقر في عام 1994 والتخلص من المادة 39 وما تمثله من تهديد للدولة الإثيوبية. ويعتمد آبي أحمد في ذلك على بعض التأييد الشعبي، ففي استطلاع للرأي أجرته شبكة Afroparometer بدعم من مؤسسة Freedom House في شهري ديسمبر/ كانون الأول 2019 ويناير/ كانون الثاني 2020 من خلال عينة عشوائية شملت 2400 مواطن إثيوبي، بهدف معرفة توجهات الإثيوبيين بشأن إجراء تعديلات للدستور الحالي للبلاد، أظهرت النتائج أن 69% يؤيدون إجراء تعديلات في الدستور، وعبّر 18% عن رغبتهم في استمرار العمل بالدستور الحالي، و11% دعوا للتخلص كليًّا من هذا الدستور. كما أن 43% أيّدوا حذف المادة 39 التي تمنح الأقاليم حق تقرير المصير بما فيه الانفصال، وأيّد 50% من العينة الاحتفاظ بالمادة. و92% يرون ضرورة استفتاء الشعب الإثيوبي على التعديلات الدستورية، ويرى 7% إسناد المهمة للجنة منتخبة من قيادات سياسية.
  • السيطرة على الأقاليم الإثيوبية:يضمن نجاح آبي أحمد في فرض رؤيته السياسية خلال المرحلة المقبلة سيطرته على كل الأقاليم الإثيوبية، وتحديدًا المعارِضة لسياساته منذ صعوده للسلطة وانصهار القوميات تحت إدارة حزب الازدهار، والحيلولة دون اندلاع الحرب مع الحكومة المركزية على غرار إقليم تيجراي، بعدما مدد آبي أحمد عمل حكومته ومؤسسات الدولة حتى انعقاد الانتخابات المقبلة، والمُرجَّح لها أن تكون خلال شهري مايو/ أيار ويونيو/ حزيران 2021.
  • وقف المطالب المتجددة بإقامة أقاليم جديدة: تتجدد المطالب بإقامة أقاليم جديدة في إثيوبيا التي تضم أكثر من 87 قومية مختلفة مثل قومية ولايتا، التي لها مطالب بإنشاء إقليم خاص بها، و6 قوميات في إقليم شعوب جنوب إثيوبيا لها نفس المطلب بإقامة إقليم خاص بها يسمى شعوب غرب إفريقيا. وهو الأمر الذي يمثل تفتيتًا للدولة الإثيوبية وتهديدًا محتملاً خلال المرحلة المقبلة.
  • الاطمئنان للموقف الدولي:وهو ما ظهر جليًّا في تغاضي الموقف الدولي عن تطورات الحرب في إقليم تيجراي، ومن هنا فإن آبي يعوّل كثيرًا على موقف المجتمع الدولي الداعم لبقاء إثيوبيا قوية، والرافض دائمًا لأية محاولات من شأنها سقوط الدولة الإثيوبية في المستقبل، لكونها قوة إقليمية يُعتَمَد عليها في ما يتعلق بضمان استقرار منطقة القرن الإفريقي، فضلاً عن كونها ترتبط بعلاقات متعددة مع القوى الفاعلة في تلك المنطقة، وخوفًا من تحول القرن الإفريقي إلى ساحة حرب إقليمية ودولية، ما يُهدد المصالح الدولية الإستراتيجية وأمن البحر الأحمر.
الجيش الإثيوبي

معوقات تواجه آبي أحمد

ثمة تحديات قائمة تواجه المشروع الداخلي لآبي أحمد، تهدد بعرقلة تنفيذ رؤيته السياسية حول مستقبل الدولة الإثيوبية، وتتمثل أبرزها في:

  • اشتداد المعارضة السياسية: برز عدد من التحالفات الحزبية المعارضة في مواجهة آبي أحمد وحزبه الجديد بهدف التصدي لسياساته، ما يفاقم المشهد السياسي الإثيوبي المعقد، خاصة في ظل المخاوف من نفس مصير جبهة تحرير تيجراي الشعبية، التي تعرضت لحرب عسكرية من قبل قوات الجيش الإثيوبي.
  • مناهضة تغيير الدستور الفيدرالي الإثيوبي: من المتوقع أن تلقى أي خطوة نحو تغيير الدستور الإثيوبي معارضة شديدة من بعض القوميات، خوفًا من فقدان المكاسب التي تحظى بها من النظام الفيدرالي القائم، وخوفًا من سيطرة تامة محتملة لآبي أحمد على الأقاليم الإثيوبية، ما يُجرِّدها من نفوذها في إطار توازنات القوى الداخلية في إثيوبيا.
  • تمدد الاضطرابات الإثنية لعدد من الأقاليم: تظل التخوفات قائمة من تداعيات حرب تيجراي، واحتمالية تمدد تلك الصراعات إلى أقاليم أخرى في إثيوبيا، تعاني من اضطرابات إثنية وتوترات مع الحكومة المركزية، مثل الإقليم الصومالي “الأوجادين” والأورومو. وهو الأمر الذي يمثل عامل ضغط على حكومة آبي، ما قد يفرض عليها التأني لحين استقرار الأوضاع.
  • ضعف خبرة حزب الازدهار: يمكن القول بأن هذا الحزب الوليد ليس مؤهلاً كفاية لقيادة إثيوبيا، بحكم حداثته وقلة خبراته وتحالفه مع بعض الأحزاب الأخرى حديثة العهد في دائرة الحكم، وذلك بعدما سيطرت جبهة تيجراي الشعبية على مفاصل السلطة في البلاد قرابة 3 عقود مضت، وقد يُولِّد ذلك بعض المعوقات في مسيرة آبي أحمد لتعزيز نفوذه وتمرير رؤيته بشأن مستقبل الدولة الإثيوبية خلال الفترة المقبلة.

مستقبل الفيدرالية الإثيوبية

تُرجِّح المؤشرات كافةً نجاح آبي أحمد في فرض رؤيته السياسية الرامية إلى التخلص من نظام الفيدرالية العرقية، والتحول بالكامل إلى نموذج مركزي في الحكم، يكون آبي على رأسه، ويتحكم في خيوطه، بما يخدم طموحه السياسي في السلطة خلال السنوات المقبلة، حتى وإن طالت المدة الزمنية في إتمام هذه الخطوة.

فنجاح آبي أحمد في احتواء إقليم تيجراي -حسب الروايات الرسمية الإثيوبية- واندماج بعض القوميات الإثيوبية والأحزاب السياسية في حزب الازدهار الجديد، من شأنه تعزيز موقفه في هذا الصدد. وهو ما قد يترتب عليه دخول إثيوبيا في مرحلة من عدم الاستقرار السياسي وتصاعد الاضطرابات الإثنية التي قد تجعل منها يوغسلافيا جديدة، تتناحر فيها الأطراف السياسية المعنية، وصولاً إلى احتمالية تفتيت وانهيار الدولة الإثيوبية، وهو ما سيكون له تداعياته الكارثية على نطاق واسع في منطقة القرن الإفريقي التي قد تتجه إلى البلقنة.

أحمد عسكر

باحث مختص في الشأن الإفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى