يوم قُتل البنا

رامي شفيق

كاتب مصري

يمثل العنف أحد أبرز الإشكاليات المنهجية عند محاولة التسلل إلى فكر جماعة الإخوان المسلمين، وفحص أدبياتها وتحليل أفكارها النظرية، فضلا عن مطابقتها بممارساتها التاريخية في سياقاتها المتفاوتة، بغية بناء موقف دقيق ومتماسك، خاصة، وأنها تعمد دوما إلى بناء عدة سرديات متفاوتة، وخلق أكثر من رواية للمواراة والتخفي والانسحاب الناعم من التهم الموجهة لها، لا سيما مسألة العنف.

فثقل الأفكار الداعمة للعنف والمواجهات المسلحة يكاد يطغى بحمولته السياسية والعقائدية على أدبيات التنظيم، في مقابل ما يجري تصديره حول الدعوة إلى إصلاح المجتمع بشكل سلمي، وهو ما يعكس مدى الارتباك الذي ضرب القواعد المؤسسة للتنظيم عبر مراحله المتباينة، لتبدو عليه كل متغيرات العوامل السياسية والاقتصادية داخليا واقليميا ودوليا.

من الصعوبة بمكان التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين باعتبارها تيارا متجانسا، سواء على مستوى الأيدولوجيا أو التنظيم، وانعكاس ذلك على العضوية بمستوياتها المتباينة، دونما الالتفات إلى الارتباك الذي أصاب الجماعة على عدة أصعدة بدأت  حين انتقلت تلك الأفكار من حيز التنظير إلى فضاء الواقع والممارسة العملية؛ إذ شيد المؤسس حسن البنا هيكل الجماعة مرتكزا على ثلاثة مستويات متدرجة، تبدأ بما يعرف بـ”الأخ المساعد” الذي يفتح المجال العام لعموم المسلمين، حيث يكون بمثابة الحاضنة التي تنتشر وتنبث في النسيج الاجتماعي، بينما تتصل تأثيراتها في أعماق المجتمع، وشرائحه، ومستوياته المختلفة، ومن ثم، تصبح الشبكة المعقدة التي تحتمي بها الجماعة لتجسير علاقاتها مع الآخرين.

وتتطور المستويات إلى ما يعرف بـ”الأخ المنتسب” الذي يوافق عليه التنظيم، ويلزمه بجملة من الواجبات التنظيمية الأخرى والمختلفة، وصولا إلى الأخ العامل المكلف بأداء بمهام محددة تكون أكثر حساسية ودقة.

جاء تطور التنظيم مع لحظة المؤتمر الخامس لجماعة الاخوان المسلمين، في نهاية عقد الثلاثينات من القرن العشرين، والتي رفعت شعار المواجهة والتنفيذ، بالاستناد إلى أنه لا يمكن التغلب على المصاعب بقرارات تتخذ ولكن بأعمال تنفذ، حيث شرع البنا في تكوين فرق الرحلات ثم الجوالة والكتائب، وتوافرت له الظروف المواتية والشروط المؤسسة لتمرير أو بالأحرى تحقيق حلم التنظيم الخاص. وحينها ضم التنظيم مستوى جديد في عضوية الجماعة، عرف بـ”الأخ المجاهد”، والأخير يقوم على السرية التامة والطاعة المطلقة.

دفع ذلك التطور أن ترتب عليه انزياح في الرؤية عند البنا، حيث تحول من إصلاح أحوال المجتمع الأخلاقية والدينية التي كان يتحدث عنها في دعوته ووثقتها كتاباته، في مرحلتها الأولى، إلى ضرورة التحضير لمرحلة أخرى تستوجب المواجهة والقبض على السلطة حيث يقول في “الرسائل”: “إن الوصول إلى السلطة “ركن من أركان الإسلام”، ويردف بأن: “هذا الإسلام الذي يؤمن به الإخوان المسلمون يجعل الحكومة ركنا من أركانه”. ومن ثم، يأتي ذلك بفعل قوة التنظيم الخاص بشريا وعسكريا، كما يصرح، وهو الأمر الذي ميز أعضاء التنظيم الخاص عن بقية أعضاء الجماعة وبدت موازين القوة في التشكل على نحو آخر.

 كان الميلاد الحقيقي للتنظيم السري أو الخاص، بهياكله التنظيمية المحددة وقواعده المسلحة، مع منتصف الأربعينات، وهي الفترة التي صادفت واقعا سياسيا صنع من التنظيم خصما مباشرا لحزب الوفد، كما هيأ مسرح الأحداث لأحلام المرشد المؤسس لتصبح أمامه أقرب للحقيقة واليقين، بيد أنه كان يؤثر نفسه برؤاه الاستراتيجية، والتي تتمحور حول مفهوم القوة باعتباره شعار الإسلام الحقيقي وأداته التنفيذية، والتمهل التكتيكي في وضع الأفكار على سبيل التطبيق والتنفيذ دون التحقق من سلامة الشروط الموضوعية لها.

وعلى النقيض من ذلك، هدم عبدالرحمن السندي، رجل حسن البنا، ويده الباطشة في التنظيم الخاص، ذلك الهيكل  الاستراتيجي لتطبيق التحول عند المؤسس حين أطلق رجاله رصاصات نافذة على المستشار أحمد الخازندار، في مارس العام 1948.  وعقب اكتشاف الحكومة أمر التنظيم الخاص من خلال ضبط السيارة الجيب المحملة بالمتفجرات، أصدرت قرارها بحل جماعة الإخوان المسلمين، بينما قام سيد فايز ومجموعته، في نهاية العام 1948، باغتيال رئيس الحكومة، محمود النقراشي باشا، في نهاية العام ذاته.

وأصدر البنا بيانا بعد العملية، استنكر فيه عملية الاغتيال معتبرا أن مرتكبيه “ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين”، في محاولة منه لتهدئة القصر وترتيب الأوضاع مع مراكز القوة، مرة أخرى، عن طريق التبرؤ من علاقته ومعرفته بالتنظيم الخاص، وعملياته النوعية، التي دبرها ضد رئيس الحكومة وآخرين. بيد أن محاولات البنا تلاشت مع عدة رصاصات استقرت في جسده، مطلع العام 1949.

إن ألغام العنف الذي حرص المؤسس حسن البنا أن يضمنه داخل نسق الجماعة عقائديا وتنظيميا، بشكل غير واضح، وبصورة خفية وغير معلنة في رمال السياسة المتحركة انفجرت جميعها في وجهه، وظلت مسألة العنف وعلانيته ودخوله حيز التنفيذ مرهونة بظرفية الأحداث التي لطالما عرج عليها التنظيم، في مختلف محنه وأزماته مع كافة الأنظمة والحكومات السياسية/ التي تعاقبت عليه منذ تأسيسه.

وتأسيسا على ذلك، فقد بدا واضحا عمق الانفصال الذي ضرب تيار التنظيم السري عن بقية قواعد ومستويات التنظيم، وأثر ذلك بوضوح على واقع تماسكه في لحظات المحنة والمواجهة، فضلا عن مدى قدرته على احتواء أزماته وتناقضاته الداخلية، وفض التشابك بين تياري العنف والإصلاح في قيادة الجماعة، وتحديدا، منذ لحظة الصدام مع رجال ثورة يوليو والعقود التالية.

على هامش التأويل العقائدي لجماعة الإخوان، وأطروحة العنف وتراتبية الجهاديين داخل التنظيم، ظهر تنظيم 1965 بقيادة سيد قطب وبقية التنظيمات المسلحة، التي رفعت السلاح في وجه المجتمع والسلطة معا تحت مسميات عدة، وذلك عبر تنظيمات في الداخل والخارج خلال عقود السبعينات وما تلاها.

وبالتالي، فإن النزعة الجهادية لدى أعضاء الجماعة، تعد إحدى القضايا الحاسمة في فكر الإخوان، منذ رسالة المؤتمر الخامس التي قررها المؤسس حسن البنا، هي نقطة مفصلية في عمر الجماعة، ليس على مستوى المضمون فقط، إنما على جملة التغييرات السياسية التي عصفت بمصر في ذلك التوقيت، والتي أعطت للمؤتمر الخامس زخمه وأثره الكبيرين في مسيرة الجماعة، ففي هذه الفترة وقعت مصر معاهدة عام 1936 مع بريطانيا.

ولعل الأثر السياسي الأبرز لهذه المعاهدة هو ضمور الجاذبية السياسية لحزب الوفد المصري وللملك فاروق في آن، وبداية الصعود الهائل لجماعة الإخوان، مما دفع حسن البنا إلى الشروع في مرحلة جديدة في حياة التنظيم، تعتمد القوة المسلحة في التغيير والوصول للسلطة.

ثمة منعطف آخر يرتبط بالجماعة وعلاقتها بالعنف، تمثل في أثناء فترة ما عرف بـ”الربيع العربي” وما تلاها من أحداث، في مطلع العام 2011، والذي ترك أثره على الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، محليا وإقليميا وعالميا، إذ شهد صعودا قويا لنفوذ تيارات الإسلام السياسي في مصر وتونس، غير أن المجتمع المصري الذي راكم تجارب عديدة نهض يواجه هذا المشروع، وأنهى تجربة حكم الإخوان.

وفي تلك اللحظة المفصلية، بدت مسألة “العنف” في ذهنية وأيديولوجية التنظيم مرتكزا استراتيجيا تأسست على أركانه رؤية عناصرهم سواء بين قيادات التنظيم الدولي في الخارج أو قيادات الداخل، بهدف مواجهة المجتمع ومؤسسات الدولة، تحت ستار استرداد الشرعية ولملمة شتات أفراد التنظيم من بؤس الأيدولوجيا في لحظة سقوطها وإخفاقها وماتستدعيه من ذكرى الانشقاقات الأليمة.

مثلت حركة سواعد مصر “حسم” الامتداد التاريخي والتتابع المنطقي لرؤية استخدام العنف عند للجماعة، فمتابعة بياناتها وإعلان مسؤليتها عن العمليات الإرهابية في الداخل والتي تركزت حول اغتيال عدد من الشخصيات الهامة، تمثل مقاربة منطقية وتاريخية لنسق التنظيم الخاص وعملياته، مما يشي بأن الحركة تمثل تطورا نوعيا لأداء الجناح العسكري داخل التنظيم .

قدمت الحركة نفسها عبر بيانها الأول في مطلع العام 2014، باعتبارها حركة سياسية تتبع جماعة الإخوان المسلمين، غير أنها ترحب بانضمام كافة التيارات السياسية التي تهدف إلى استعادة روح أهداف ثورة 25 يناير.

بيد أن اعترافات المتهمين لدى الجهات الأمنية تعكس نسق الجماعة في العمل العسكري من خلال  العمليات النوعية، والتي تستهدف المنشآت العامة والحيوية بالدولة والعاملين فيها، سعيا منهم لممارسة شتى أنواع الضغط على الدولة، في محاولة محمومة للوصول نحو الأهداف المقررة لديهم، والتي تتمثل في الإرباك والإنهاك المتواصلين.

وثمة مقاربة إجرائية مهمة تتضح من متابعة رؤية الحركة وتشكلاتها في العمل، وذلك في قيامها على تحركات تبدأ بتأهيل عناصر مجموعات العمل النوعي، ثم تدريبها خارج البلاد، وعليه، يجري تشكيل تيار سياسي معلن من القوى السياسية المتباينة والتي تقف على النقيض مع الدولة، إذ تهدف نحو الدمج بين رؤية العمل السياسي والجهاد المسلح، كتحرك تكتيكي من بقايا التنظيم وقياداته في الخارج بغرض ظهور التنظيم قائما وقادرا على الحركة الميدانية والتفاعل سياسيا داخليا واقليميا ودوليا.

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search