زوايامختارات

يُعيدون كتابة شريطك الوراثي.. مَن يحكم عملية تحرير البشر جينيًّا؟

 

مُنحت جائزة نوبل في الكيمياء هذا العام للعالمة الفرنسية إيمانويل شاربينتييه، والأمريكية جينيفر دودنا، لتطويرهما طريقة تحرير الجينوم المعروفة باسم “كريسبر-كاس 9″، وهي واحدة من أكثر أدوات تكنولوجيا الجينات دقة، وهي المقص الجيني، وبات لهذه التكنولوجيا تأثير ثوري في مختلف علوم الحياة.

باستخدام المقص الجيني “كريسبر-كاس 9″، أصبح من الممكن تغيير كود الحياة على مدار بضعة أسابيع، بما سيسهم في إيجاد علاجات جديدة للسرطان، والأكثر أهمية أنها جعلت من علاج الأمراض الوراثية قضية مقبولة علميًّا قد تتحقق عما قريب.

إيمانويل شاربنتييه

تعيد تقنيات التحرير الجيني كتابة المادة الوراثية لأي كائن حي، وعن طريق هذه التقنية يمكن للباحثين تعطيل الجينات المستهدفة، وتصحيح الطفرات الضارة، وتغيير نشاط جينات محددة في النباتات والحيوانات والبشر، كما تستهدف علاج العديد من الأمراض كالإيدز والتهاب الكبد الفيروسي والسرطان، وغيرها من الأمراض المستعصية.

كان اكتشاف هذه المقصات الجينية من خلال دراسات الفرنسية شاربينتييه لواحدة من البكتيريا التي تسبب أكبر ضرر للإنسانية، وما لبثت أن نشرت اكتشافها عام 2011، وبالتعاون مع نظيرتها الأمريكية “دودنا”، نجحتا في إعادة إنشاء المقص الجيني للبكتيريا في أنبوب الاختبار، وتبسيط المكونات الجزيئية للمقص الجيني حتى يسهل استخدامها.

أعادت العالمتان بعد ذلك برمجة المقص الجيني، الذي يتعرف في شكله الطبيعي على الحمض النووي للفيروسات، لكن شاربينتييه ودودنا أثبتتا أيضًا إمكانية التحكم فيهما حتى يتمكنا من قطع أي جزيء من الحمض النووي (دي إن إيه) في موقع محدد مسبقًا، وبهذا تمكنتا من إعادة كتابة رموز الحياة.

ومنذ أن اكتشفت شاربينتييه ودودنا المقص الجيني عام 2012، انفجر استخدامه في العديد من الاكتشافات المهمة في البحث العلمي الأساسي، وتمكن باحثو النبات من تطوير محاصيل تتحمل العفَن والآفات والجفاف.

تكنولوجيا الحمض النووي

تاريخ “كريسبر”.. لمحات تاريخية

محطات بارزة في تطور تقنية “كريسبر/كاس9”

1987 اكتشف مناطق “كريسبر” أول مرة علماء يابانيون من جامعة أوساكا، حددوا دون قصد تسلسل منطقة من الحمض النووي تقع قرب جين شملته الدراسة.
1993 كان فرانسيسكو موخيكا، من جامعة أليكانتي بإسبانيا، أول باحث يصف ما يسمى الآن بموضع “كريسبر”.
2005 طرح ألكسندر بولوتين، من المعهد الوطني الفرنسي للبحوث الزراعية، فكرة أن “كريسبر” هو جزء من النظام المناعي البكتيري.
2006 اقترح يوجين كونين، من المركز الوطني الأمريكي لمعلومات التكنولوجيا الحيوية بالمعاهد الوطنية للصحة، مخططًا افتراضيًّا لاستخدام “كريسبر” كنظام مناعي بكتيري.
2007 وجد الباحثون أن كريسبر هي وسيلة مناعة تكيفية (مكتسبة) تستخدمها البكتيريا عند تعرضها للهجمات الفيروسية، وأظهر فيليب هورفاث وزملاؤه على نحو تجريبي أن أنظمة “كريسبر” هي في الواقع جهاز مناعي تكيفي.
2008 أثبت لوسيانو مارافيني وإريك سونثيمر، من جامعة نورث ويسترن الأمريكية، أن الجزيء المستهدف من أنظمة “كريسبر” هو الحمض النووي (دي إن إيه) وليس “آر إن إيه” كما كان يُعتقد سابقًا.
2011 بعد البحث الدقيق في آلية عمل نظام كريسبر، نجح العلماء في إنشاء المقص الجيني للبكتيريا في أنبوب الاختبار، وتبسيط المكونات الجزيئية له حتى يسهل استخدامها.
2013 أصبح بإمكان العلماء التعديل على جينوم أي كائن حي، بقص الحمض النووي الوراثي له على نحو مرن وأكثر سهولة، وأصبحت “كريسبر” أكثر طرائق تعديل الجينوم انتشارًا، واستخدمت بكثرة في مجال البحث الطبي.
2018 ادعى عالم صيني تطبيقه للتقنية على خلايا أجنّة بشرية وزرعها في رحم الأم قبل أن تولد أجنة توأم، بتعديل الشفرة الوراثية الخاصة بهما لتصبحا مقاومتين للـفيروس المسبب لمرض الإيدز، ما أحدث ضجة كبيرة في الأوساط العلمية لأسباب أخلاقية.
2020 مُنحت جائزة “نوبل الكيمياء” للفرنسية إيمانويل شاربينتييه والأمريكية جينيفر دودنا لتطويرهما طريقة تحرير الجينوم، المعروفة باسم “كريسبر-كاس 9″، والتي كان لها تأثير ثوري في علوم الحياة.

أحدثت هذه التقنية تحولات جوهرية في أبحاث الطب الحيوي، في السنوات الأخيرة، ويأمل الباحثون استخدام هذه التقنية لتعديل جينات البشر، بغرض القضاء على الأمراض، وإكساب النباتات قوة تحمّل، والتخلص من مسببات الأمراض.

تقنية “كريسبر-كاس 9” والإنسان

من المعروف أن هذه التقنية تحرر المادة الوراثية بطريقة تشبه وظيفة الإيجاد والاستبدال التي تستخدم لتصحيح الأخطاء الإملائية في الوثائق الإلكترونية، وبدلاً من تحرير الكلمات تعيد كتابة الحمض النووي بدقة، ليمكن بها تغيير أجزاء الحمض النووي في الخلايا عن طريق قطع في نقاط محددة وإدخال تغييرات في تلك النقاط، ما يعني إمكانية إضافة جين ضروري أو تعطيل أحد العوامل المسببة للمشكلات الصحية.

ولم تُجرّب هذه الطريقة إلا حديثًا على البالغين لعلاج الأمراض الفتاكة، مع تقييد جميع التعديلات الوراثية، لئلا يمكن للمرضى نقلها إلى أطفالهم، ولكن حال تحرير الحيوانات المنوية أو البويضات أو الأجنّة، فالأمر مختلف، إذ يمكن توريث التغيير والتعديل المطبق عليها.

داخل أحد المختبرات المعملية


تجربة وحشية أم اختراق علمي؟

في يوم الاثنين 26 نوفمبر/ تشرين الثاني 2018، هزّ خبر نجاح العالم الصيني هي جيانكوي في تعديل 7 أجنّة لحوامل، أنجبت إحداهن طفلتين بحمض نووي معدل لمقاومة عدوى فيروس نقص المناعة، الإيدز، الأوساط العلمية والإعلامية حول العالم، بعد نجاح أول عملية في تاريخ البشر لتغيير الحمض النووي لجنين قبل ولادته.

وادعى العالم الصيني أن الطفلتين وُلدتا بمقاومة لعدوى فيروس الإيدز، وأن هدفه لم يكن علاج أو منع انتقال الأمراض الوراثية، بل تعديل الحمض النووي للتوأم من أجل منحه مناعة ضد الإيدز.

تقنية تعديل الجينات كريسبر

ووصف الباحثون من جميع أنحاء العالم هذه التجربة بأنها “وحشية” و”غير مسؤولة”، وأن الباحثين المشاركين كانوا يلعبون “لعبة خطيرة” مع أطفال أصحاء، وشكك العديد منهم في الآثار المعنوية والأخلاقية الضارة للعملية التي تمت.

وحتى الآن، يُعد تحرير وتعديل الجينات الوراثية للبشر تجربة محظورة في بريطانيا والولايات المتحدة وفي أجزاء أخرى كثيرة من العالم، وذلك لأن تأثيراتها طويلة الأمد على الصحة العقلية والجسدية غير مفهومة جيدًا إلى حد كبير.

وتنطوي هذه التقنية على احتمال أن يؤدي الحمض النووي المعدل إلى تشويه جينات أخرى، وهي طفرات خطيرة محتملة يمكن نقلها إلى الأجيال القادمة، ولهذا دعا بعض العلماء إلى إدخال معاهدة دولية حول أبحاث الأجنّة لوقف التجارب المماثلة في المستقبل.

الإنسان المعدل وراثيا

تقنية تهدد حياة البشر

لهذه التقنية جانب مظلم ظهر مؤخرًا، يتمثل في المخاوف الفنية والأخلاقية من أن تؤدي إلى تعديلات جينومية شاذة أو خطيرة، وأن تتسبب الكائنات المعدلة وراثيًّا في إحداث اضطرابات أو انهيارات في الأنظمة البيئية.

وأعرب الباحثون عن قلقهم من امتلاك أدوات تحرير الجينوم المماثلة، بعد اكتشاف عمليات حذف كبيرة للحمض النووي خلال تحرير الجينات، وأشارت دراسة جديدة، أجراها معهد ويلكوم سانجر في المملكة المتحدة، إلى أن هذه التقنية ليست آمنة كما كان يُعتقد سابقًا، لأنها يمكن أن تؤدي إلى تغييرات خطيرة في بعض الخلايا، بل وقد تسبب الإصابة بالسرطان. وبحسب ما أظهرته دراستان نُشِرتا في مجلة “نيتشر” للطب، تبين أن عملية تحير الجينوم قد تتسبب بالفعل في زيادة فرص تطوير أورام جديدة في جميع أنحاء الجسم.

وأجرى الباحثون دراسة منهجية كاملة في كل من خلايا الفئران والبشر، واكتشفوا أن “كريسبر-كاس 9” تسبب في كثير من الأحيان في ظهور طفرات واسعة النطاق، ولكن على مسافة بعيدة من النقاط المستهدفة بالتقنية.

وتقول الدراسة إن العديد من الطفرات المختلفة المتولدة عن هذه العملية، “تزيد من احتمال أن تكون واحدة أو أكثر من الخلايا المحررة في كل بروتوكول حاملة لآفة ممرضة”، وهذا قد يسبب في النهاية عددًا قليلاً من الخلايا التي تتحول إلى خلايا سرطانية.

أجنة في بطون أمهاتهم

حديث لا ينتهي

تمس ثورة التقنية الحيوية المتسارعة العديد من المجتمعات، وفي وطننا العربي توفد إلينا العديد من التقنيات البيولوجية والطبية الجديدة التي تستلزم اتخاذ قرارات سيادية ومجتمعية لتطبيقها أو تحريمها مثل قضايا نقل الأعضاء والتبرع بها، وقضايا إثبات النسب، والاستنساخ، والتلاعب بالجينات، وولادة أطفال لثلاثة آباء، واستغلال البشر في التجارب البيولوجية والطبية، وفك تتابعات الجينوم البشري، ومؤخرًا تجارب التحرير الجيني، التي حازت أهم تقنية فيها وهي “كريسبر-كاس 9″، على جائزة نوبل في الكيمياء لهذا العام، وغيرها من الثورات البيولوجية الحديثة.

ورغم أن “أخلاقيات البيولوجيا” دراسة أكاديمية لا تختص بدين أو مذهب محدد، فإن تطبيقاتها تعتمد على دين المجتمع الذي تُطبق فيه قواعد “أخلاقيات البيولوجيا” وتوجهاتها العامة، فقضايا مثل التلقيح الصناعي والخلايا الجذعية وملكية الجينات الوراثية، والتعديل الجيني للبشر، والوصول لعصر “السوبر مان” البشري، وغير ذلك من القضايا التي يدرسها علم “أخلاقيات البيولوجيا” يجب أن توضع وتقنّن أيضًا في إطار أي مجتمع وثقافته الدينية وأعرافه.

إن الأسئلة التي تراودنا اليوم حول “أخلاقيات البيولوجيا”، سبق أن أرّقت مجتمعات الدول التي صارت في طليعة التقدم العلمي والتقني الآن، ونحن في هذا الجزء من العالم الذي كُتب عليه أن يستقبل منتجات العالم الغربي في مجال العلم والفكر والابتكار، ومشكلاته الأخلاقية أيضًا، نتمنى أن يعمل علماؤنا وأطباؤنا على وضع قواعد عامة في مجال “أخلاقيات البيولوجيا” تتماشى مع المعايير العالمية لمنظمة اليونسكو، وتكون في ذات الوقت “من واقعنا وديننا وثقافتنا الأصيلة”.

وننادي بمزيد من المطالبة بالاهتمام والرعاية، لتكون إحدى الروافد الهامة التي تؤكد بها ضرورة أن نلتفت إلى عصر العلم والتكنولوجيا، لأن ثروة الأمم الحقيقية في هذا العصر هي بالفعل تقدمها العلمي، ومراعاته للبعد الأخلاقي والديني في آنٍ.

 

د. طارق قابيل

أكاديمي، وكاتب ومترجم علمي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى