ثقافة وفن

ثيو أنجيلوبولوس.. خُلق العالم ليكون فيلماً

أنا لا أحقق أفلامًا لإرضاء أو إمتاع أحد ما، فالأفلام بالنسبة لأفراد مثلي تكون أسلوب حياة، عندما أتحدث عن حياتي فإنني أتحدث بالضرورة عن حياتي في الافلام. تحقيق الأفلام هي حياتي الثانية الموازية. أحب كلمات فولكنر التي تقول إن العالم مخلوق من أجل أن يكون رواية، في حالتي، أريد أن أصدق بأن العالم مخلوق ليصير فيلمًا.. ثيو أنجيلوبولوس

حين وُلد ثيو أنجيلوبولوس عام 1935 كان العالم يغلي فوق فوهة بركان، وكانت اليونان من المسارح الرئيسية التي تجري فيها تلك الأحداث، مما كوَّن لديه شعورًا قوميًا صبغ أفلامه بصبغة المؤرخ الذي رأى بعينه العديد من الأحداث التي تعود لتأخذ مكانها في أفلامه، فيما استمدت شخصيته روحها من رافد الشعر الذي انعكس على سينماه أيضًا.

ثيو أنجيلوبولوس أثناء تصوير أفلامه

بعضٌ من ذاته

كتب ثيو الشعر حين كان طالبًا، وتأثر بالعديد من الشعراء من أمثال كافافيس وجيورجيوس سيفريس، فظهرت أفلامه في شكل قصيدة شعرية، هادئة أحيانًا، وثورية تاريخية في أحيان أخرى، ويستهل أفلامه بأبيات شعر تعبر عن حالتها.

وكان إنتاجه السينمائي في المجمل مثالًا لسينما السيرة الذاتية الحميمية، يصنع أفلامًا تقتحم أراض جديدة لا تنتهي، طالما أن حياته لم تنته، وتتشابك الأحداث بين أفلامه بخط غير مرئي، ويتقاطع في أعماله الواقعي والأسطوري، كدأب يوناني عاش في بلاد الأسطورة والملحمة الهوميرية.

فكان أنجيلوبولوس من الذين برعوا في تطويع الأبجدية السينمائية للتعبير عن ذواتهم وفنهم، بالإضافة إلى أنه كان يكتب أفلامه لنفسه، فجاءت كل لقطة من الأفلام التي حققها مُعبرّة عن رؤيته الفنية والفكرية للعالم.

وتراود أنجيلوبولوس في أغلب أعماله الرغبة في البوح، أن يعترف بأنه قد عاش ومر في زمنٍ ما شاهده فقدم شهادته عنه، تلك الرغبة شكلت الملمح الأبرز في سينماه، فحياته وتجاربه وتاريخ بلاده وسياسات عصره شكلت موضوعًا لأفلامه.

لم يُخرج ثيو أفلامه لتشاهدها الغالبية من الجماهير التي تبحث عن الحبكة الملتوية والإثارة، ولكنه أخرجها للقلة الذين يبحثون في ذواتهم وأزمنتهم عن أسئلة ولا يلقون الجواب.

يتحدث عن أفلامه فيقول: “كل أفلامي هي جزء مني، وتعبير عن سيرتي الذاتية وحياتي، والتجارب التي عشتها والأحلام التي حلمت بها، بعض أفلامي أقرب إلى اهتماماتي الفكرية، والأخرى أقرب إلى أحداث في حياتي الواقعية، كل ما فعلته ونجحت في الكشف عنه وإبرازه، نابع مني ومن ذاتي، هذا هو ما يهم، باستقلالية عن التقدير والاهتمام والجوائز والتكريم”.

وتتأكد ذاتية تجربته السينمائية فتُرسم ذكريات الطفولة على الشاشة في استهلاله لبعض من أفلامه التي يتقاطع فيها وعيه بتاريخه الشخصي وتاريخ المكان، ففي أفلامه دوماً يفتش ثيو في تاريخ اليونان في محاولة منه لتحديد قصته وكينونته في إطار ذلك التاريخ.

فيلم Voyage to Cythera “رحلة إلى كيثيرا”

يقف جندي ألماني ينظم حركة المرور، ويأتي صبي ليضربه على ذراعه ثم يختفي في متاهة من الشوارع الضيقة، بينما يطارده الجندي.. هكذا يقدم ثيو شهادته على الشاشة في مستهل فيلمه “Voyage to Cythera” بالوجود النازي في اليونان، ورحلة البحث عن الأب الغائب، الذي يظهر فجأة أحيانًا.

وتلك تكأة درامية متكررة في أفلامه، وتُعيد إلى أذهانه ذكرى اختطاف والده حين كان طفلًا، وابنته التي كانت تتشكى من مغادرته المنزل دومًا لاهثًا وراء شغفه، ويكتشف أنها كبرت وصارت امرأة فجأة، ويشعره هذا الأمر بمرارة اللحظات المفقودة، التي دُفعت ثمنًا لتحقيق شيئًا شخصيًا بشدة كصناعة الأفلام.

ذلك الحزن الذي يدغدغ شعوره من شكوى الابنة، يعود في فيلم Eternity and a Day لتجسده رحلة الشاعر “ألكسندر” الذي يسير في اللحظات الأخيرة من حياته باحثًا عن سعادته التي فقدها في كنف عائلته، لأنه سخّر حياته لتقفي أثر شاعر آخر.

وقد تأطرت سينما أنجيلوبولوس بمجموعة من العناصر الأخرى ظلت تفرض حضورها في أفلامه، فالخلفية التاريخية للفن في اليونان أثرت في التكوين البصري والدرامي في سينماه، فنرى في الكادر السينمائي في أفلامه تأثرًا لافتًا بالأيقونات البيزنطية، يتجلى ذلك في فيلمه “Alexander the Great” الذي قال عنه إنه “عمل بيزنطي أرثوذكسي، بُنيّ على عناصر من الطقوس الدينية والشعائر”.

ويكتمل ذلك التكوين البصري بحجم اللقطة الطويلة والتي قد يبلغ طولها عشرة دقايق في أفلامه، وينبع هذا الحجم الطويل من تجربة ثيو كمشاهد وتأثره بأفلام أورسون ويلز وجان رينوار وبريسون الذي أكدت أعماله على الصورة المتواصلة بدلًا من المونتاج السريع الذي يشظى عالم الفيلم إلى لقطات مقطوعة.

ويأتي كذلك من تأثره أيضًا بجون فورد الذي ركز على علاقة الفرد بما يحيط به من مناظر شاسعة غير مأهولة، وتأكيداً منه على العلاقة بين الرائي وبين الأيقونة البيزنطية التي تجتذب تأمله لمدة طويلة، محاولًا سبر أغوار المشهد، مما يصنع بينه وبين العمل علاقة شخصية وتأملية.

فيلم Days of 36

ويظهر تأثره بالتراجيديا الإغريقية من خلال عزوفه عن تصوير المشاهد العنيفة والدامية، فهي تحدث خارج الشاشة ويراها المشاهد بمخيلته فقط، ويفرض هذا الأسلوب نفسه منذ فيلمه الأول “Reconstruction” فالجريمة كانت تقع داخل المنزل، بينما الكاميرا تعرض خارجه، وكذلك مشهد قتل المُعتقل في فيلم “Days of 36” كان خارج إطار الصورة التي ركزت على نافذة الزنزانة.

فيلم Landscape in the Mist

ويترك ثيو أدلة على الحدث العنيف يمكن أن يقرأها المشاهد كما قدم ذلك في فيلمه Landscape in the Mist حين أوحت يد الفتاة الملطخة بالدماء ونظرتها الذاهلة بالانتهاك الذي حدث لها داخل الشاحنة المعتمة. يلجأ ثيو لذلك الأسلوب الدرامي حتى يريد للمشاهد أن يهتم بنتيجة الفعل دون الفعل ذاته.

فيلم The Travelling Players

جسور في سينماه

لا تنقطع الصلات بين أفلام ثيو، فأفلامه جسورٌ تعبر منها شخصياته وأفكاره من عالم إلى آخر ومن حقبة إلى أخرى، والمشاهد بإمكانه أن يشعر بتلك الحالة الحميمية المتصلة بين إنتاجه السينمائي ككل، وهو ما يصنع حالة من الألفة بينه وبين ومشاهديه.

فلا تنتهي القصة بمجرد انتهاء الفيلم بالنسبة للمشاهد، فهو يبحث عن إكمالها في العمل الآخر الذي يليه، وبصفته من جيل التجريبيين الذي يمتلك الجرأة على التجربة والتجديد، صنع ثيو حالة من العبور لشخوصه في أفلامه المختلفة، فأبطال فيلمه “The Travelling Players ” يعودون مرة أخرى للظهور في فيلم “Landscape in the Mist” ليلعبوا نفس الدور، ولكن تلك المرة كفريق من الممثلين العجائز الذين تتفكك فرقتهم.

وتتكرر مجموعة من الأسماء للشخصيات لتعبر عن حالة تواصل وارتباط بين عوالم أفلامه، كأسماء “الكسندر”و”سبايروس” (اسم الأب الغائب) فيما يتكرر اسم “فاولا” تحديداً في أفلامه، كرسالة حب وذكرى من ثيو لأخته “فاولا” التي ماتت في سن الحادية عشر، وبذلك يستمر في صناعة عالم متشابك ومتصل تتجلى فيه تجربته الخاصة.

تصل سينما أنجليوبولوس ذروتها في حالة الامتداد تلك، في ثلاثياته التي قدمها، وهي تسعة أفلام: “ثلاثية التاريخ”، ثلاثية الصمت”، “ثلاثية الحدود” عبّر فيها عن إحساس عميق ومتأصل بإشكاليات الذات اليونانية.

فيلم The Hunters

ثلاثة التاريخ

جمعت “ثلاثية التاريخ” أفلام:

  • Days Of 36 (1972)
  • The Travelling Players (1975)
  • The Hunters (1977)

تُعرف سينما أنجيلوبولوس بذاتيتها، ولكنه دائمًا كان يؤكد على كونها سينما تستمد مادة تجربتها من المجتمع، فلا يمكن لليوناني الفنان، على حد قوله، أن يصنع فنه دون أن يتأثر بتلك الطبيعة اليونانية، والمادة التاريخية والسياسية الغزيرة المعقدة، لذلك كانت سينما ثيو على الرغم من ذاتيتها، تلعب دورًا اجتماعيًا في نقل التاريخ للأجيال المتعاقبة، ونقل قضايا شبه جزيرة البلقان للمشاهد الأجنبي، وأوروبا الغربية على وجه الخصوص.

  • وفي الثلاثية عكس أنجيلوبولوس المشهد الثقافي للريف اليوناني من خلال حلقات تتوالى للتاريخ المعاصر، ففي فيلمه الأول من الثلاثية القصير نسبيًا Days Of 36، انطلق من حادثة حقيقية لمُعتقل سياسي كان قد أسر نائب يميني في البرلمان بينما كان يزوره، مهددًا بقتله.

ومن خلال الفيلم قدَّم ثيو نقدًا لاذعًا لسياسات المجلس العسكري التخريبية وفساده وعدم كفاءته لحكم اليونان، فتلك الحادثة العرضية قد أظهرت مدى هشاشة الأرجل التي يقوم عليها عرش النظام، واتباعه لسياسات القتل والتصفية كحل فعال دائمًا، ومن جانب آخر يقدم في الفيلم سؤالًا عن الهوية اليونانية وحقيقتها، هل اهتزت وتأثرت تحت حكم خمسة قرون من الاحتلال العثماني؟

وفي الفيلم الثاني من الثلاثية، حاول ثيو أن يلقي نظرة كاشفة لمرحلة زمنية امتدت من العام 1939 حتى 1952، وفيه قدم رؤيته للزمن والذكرى بجعلهما مكانًا يمكن السير فيه، وهي الثيمة التي ستتكرر في الكثير من أفلامه.

ففي إحدى لقطات الفيلم نرى أن خطوات سير الفرقة الموسيقية داخل أحد القرى تقطع فترة زمنية إلى الوراء، تلك الفترة الزمنية تغطي أحداثًا من الحرب العالمية الثانية والوجود النازي في اليوناني، وديكتاتورية ميتاكساس، مطوعًا الأسطورة اليونانية مرة أخرى في أعماله بتناوله أسطورة عائلة أتريوس ليضعها تحت منظار حاضره، ويلقي الضوء من خلالها على أحداث الحكم الديكتاتوري والاحتلال النازي والمقاومة في تلك الفترة.

يجسد ثيو قضايا اليونان وتاريخه المعاصر من خلال شخصياته، فكل شخصية ترمز إلى قضية ما، فشخصية “أجاممنون” بهجرته من آسيا الصغرى إلى اليونان يُذكّر بالتنوع العرقي الذي لا حدود له تاريخيًا في البلاد منذ الحكم العثماني.

و”إليكترا” تؤرخ لبداية الحرب الأهلية بعد هزيمة النازيين في عام 1944، و”بيلادس” يقدم سردًا شخصيًا لتاريخ التعذيب السياسي للسجناء السياسيين، ويقدِّمهم باعتبارهم معدومي الهوية، وكونهم مجموعة من المهمشين النازحين المنفيين داخل بلدهم.

وفي ختام الثلاثية في فيلم “الصيادون”، قدَّم ثيو تاريخ اليونان تلك المرة، يطغى عليه الجذور البزنطية الأرثوذكسية، والتي تظهر مُجسَّدة في شخص الجثة التي يعثر عليها الصيادون: محفوظة وطرية الدم، بمعجزة غير مُفسرة، ولحيتها التي تشبه لحية المسيح، ووضعها على طاولة في مآواهم كطقس من طقوس الحدود البيزنطية.

ويظل الصيادون في حيرة من أمرهم كيف عليهم أن يعيدوا طمس تاريخ كان قد انتهى، وهو يظهر على السطح من جديد؟ فالجثة لأحد رجال المقاومة للحكم العسكري، قُتل صاحبها في خضم الحرب الأهلية اليونانية، وقد عادت في معجزة لتطرح سؤالًا عن تغير الواقع بين سنين الديكتاتورية وما بعدها؟

فيلم The Beekeeper “مُربِّي النحل”

ثلاثية الصمت

وفي “ثلاثية الصمت” قدَّم أنجلوبولوس أفلامه:

  • Voyage to Cythera (1984)
  • The Beekeeper (1986)
  • Landscape in the Mist (1988)

بعد أن قدم تأريخه للتاريخ المعاصر اليوناني، سعى أنجيلوبولوس إلى إحصاء الخسائر البشرية لذلك الإرث المأساوي من الحروب والحكم الديكتاتوري والثورات في اليونان، فقدَّم في ثلاثية الصمت أفلامًا مؤرقة وحميمية تتحرك بعمق عبر الوعي والأسطورة والذاكرة، فكان “رحلة كيثيرا” هو صمت التاريخ، و”مُربِّي النحل” هو صمت الحب، و”منظر في السديم” هو صمت الإله.

في “رحلة كيثيرا” يعود “سبايروس- مانوس كاتراكيس” الأب الغائب، الشيوعي الذي كان منفيًا، محاولًا الاتصال بماضيه وعائلته وبلاده، فيجد أن عليه أن يكتشف بلادًا غاب عنها 32 سنة، مما يشعره بتوتر في حقيقة هويته، ويتوصل لحقيقة أنه في أعقاب الحروب المدمرة والقرى المهجورة، أصبحت فكرة المنزل أسطورة.

وفيلمه الثاني “مُربِّي النحل” يناقش أزمة رجل يحمل الماضي على كتفيه. يقدم “سبايروس- مارسيلو ماستروياني” نموذجًا للثوري المعتزل، فيذكر آماله السابقة في تغيير العالم، ويتذكر سنين الحرب، والتحولات الكبرى لليونان في أعقابها، ويشعر بمنفى في حاضره بعد رؤيته لكل التغيرات التي يقارنها وماضيه.

وتمثل الفتاة التي يلتقي بها نموذجًا للحاضر المشوش فهي بلا ذاكرة، متأثرة بثقافة “البوب الأمريكية” تعبر عن حالة الانمساخ الثقافي التي تعرض لها المجتمع الذي عاشه، ويحاول النكوص إلى مهنة أبيه كنحال ليحتمي فيها من مشكلة الاندماج في الحاضر، ولكنه يفشل وينتحر.

أما فيلمه الأخير “منظر في السديم” فقد قرر أنجيلوبولوس أن يقدم رؤيته للعالم من خلال براءة الأطفال هذه المرة، يبحث الطفلان عن أبيهما المجهول، مسترشدين في تلك الرحلة بأحلامهم اليقظة، ومراوغات أمهما عن أصله ومكانه، ولكنه رحلة في إطار بحث وجودي عن هوية الأجداد والمجتمع.

فرحلة البحث عن الأب في الفيلم قال عنها أنجيلوبولوس إنها رحلة البحث عن هوية في الحياة، تلك الرحلة التي لا ظهير لهما فيها، فالأم لا تظهر سوى بذكر اسمها، مما يوحي بانفصال عاطفي وجسدي بينها وبين أطفالها، والأب مجهول دائمًا، بل ومحض أكذوبة في بعض الأحيان كما أخبرهما الخال.

ترفض الطفلة “فاولا” تصديق كلام الخال وتستمر مع أخيها ألكسندر في البحث عن أبيهما، الذي يمثل لهما أصلهما وجذورهما في الحياة، مصطدمين بقسوة العالم وغرابته، وحوادثه التي تستعصي على تفسيرهم، ويبدو في نهاية الفيلم أنها رحلة بلا شاطئ وصول أو نهاية، طالما ظلت الآلهة صامتة عن الإرشاد.

فيلم الأبدية ويوم

ثلاثية الحدود

تمثلت “ثلاثية الحدود” في:

  • The Suspended Step of the Stork (1991)
  • Uleysess’ Gaze (1995)
  • Eternity and a Day (1998)

مع تصاعد الاضطرابات العرقية في منطقة البلقان خلال تسعينات القرن الماضي، عاد أنجليوبولوس لموضوع الهجرة الداخلية للأمة تاريخيًا والتي سبق له تقديمها في “الممثلون الجوالون”، تلك المرة كانت عودته لفحص الطبيعة الانقسامية والمصطنعة للحدود الجغرافية في بلاد البلقان.

إن تلك الجسور التي يبنيها ثيو بين أفلامه تمتد لتخترق السلك الشائك الذي يحد البلدان في البلقان، وتتجلى في تلك الثلاثية، فهو لديه التزام تجاه قضية النازحين يحاول أن يعبر عنه في أفلامه دومًا، وتشكك في ماهية الحدود التي تفصل بين بلدان شبه جزيرة البلقان، موقنًا بامتزاج هويتهم خلال خمسة قرون تحت الحكم العثماني.

 ويستحضر ذلك من خلال البحث في قضايا تاريخية تلقي بظلالها على المعاصر، فيعالج تلك القضية في أفلامه، فالطفل الذي يقابله “ألكسندر” في “Eternity and a Day” هو لاجئ، من خلاله يسلط الضوء على قضية الاتجار في الأطفال اللاجئين في اليونان، وبيعهم للأسر الغنية التي لا تنجب، وعرضهم في مشهد أشبه بسوق النخاسة.

ويقف “ألكسندر” في الفيلم محدقًا في السلك الشائك، فيرى عليه آلاف الأطفال متشبثين، يحاولون العبور دون جدوى، وتطرح أحد الشخصيات في فيلم “The Suspended Step of the Stork” تساؤلاً يعبر عن تلك الحالة في دول البلقان: “كم تخم علينا أن نعبر حتى نصل إلى وطننا؟”.

وتتكرر الجملة في فيلم “Ulysses’ Gaze” وهو الفيلم ذاته الذي جسد فيه أنجيلوبولوس معاناته، فكيف لمخرج سينمائي أن يحقق أفلامه في وطن متفسخ، نكَبَته الحروب؟.. ومع ذلك يقطع بلدان شبه جزيرة البلقان بحثاً عن أول فيلم أنُتج في تاريخها، يبدأ من اليونان وينتهي به الحال في سراييفو التي كانت تمزقها الحرب آنذاك.

تقدِّم الثلاثية أشخاصًا يتعاملون مع الحدود والأسلاك الشائكة ومنفى الوطن والنفس، وتحاول أن تبحث عن مركز مفقود لذاتها في العالم، ويقول عنها: “في منظر في السديم يسأل الولد الصغير أخته: ما معنى الحدود؟.. في الأفلام الثلاثة التالية، أقدمها لأعثر على إجابة، فخطوة اللقلق يتعامل مع الحدود الجغرافية التي تفصل البلدان والبشر، وتحديقة يوليسيس يتحدث عن حدود الرؤية الإنسانية لمعنى الحدود جغرافياً وسيكولوجياً، وفي الأبدية ويوم واحد أبحث عن الحدود التي تفصل الحياة عن الموت”.

فيلم تحديقة يوليسيس

خاتمة

إن جاز لنا أن نصنف أفلام أنجيلوبولوس فسينماه تخترقها الوحدة، وحدة الروح والثيمات واللغة السينمائية، أو كما وصفها الناقد السينمائي أمين صالح في كتابه “براءة التحديقة الأولى” أنها: “سينما تسعى إلى عبور عدد من الحدود والتخوم بين الأمم، والتاريخ والأسطورة، بين الماضي والحاضر، بين السفر والاستقرار، بين الخيانة والانتماء، بين الصدفة ومصير الفرد، بين الصمت والصدى، بين ما هو مرئي وما هو مكبوح، بين الواقعية والسوريالية، وهي تجعل المتفرج ينفتح على سؤال شخصي أكبر هو: كيف نرى العالم من حولنا وداخل أنفسنا؟”.

مصطفى حسب الله

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى