ثقافة

20 بحارًا تاهوا فأسسوا دولة: حكاية “فرخشنيط”.. إمارة إسلامية منقرضة في جنوب أوروبا

عجائب التاريخ قد لا تقل عن عجائب الطبيعة، ومنها إمارة “فرخشنيط” أو “فراكسنيتيوم” أو إمارة “جبل القلال”.. دولة اكتشفها وكتب عنها المؤرخون بعد قرابة ألف عام من انهيارها.

خريطة تُظهر المنطقة

أنشأها عشرون بحارًا مسلمًا ضلوا طريقهم في البحر، لتستمر ثمانين عاما، ربما جاءت نشأتها مصادفة، لكن استمرارها لم يكن كذلك، فهي دولة لا يعرف التاريخ اسماً واحداً لأي شخص منها حاكماً أو محكوماً، كانت شوكة في خاصرة جنوب أوروبا.

لعبت “جبل القلال” دوراً وظيفياً في إزعاج الإمارات الأوروبية وحرمانها من الأمن في الممرات الجبلية في جبال الألب، بعدما وصلت غاراتها الجريئة إلى جنيف في سويسرا، وإيطاليا، وخضعت لسيطرتها بعض المدن في فرنسا، ولم تستطع أوروبا أن تهزمها إلا بتحالف كبير.

“فرخشنيط” في التاريخ

غلاف كتاب تاريخ غزوات العرب

تحدث عنها الأمير شكيب أرسلان في كتابه “تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط”، قائلاً: “لم يطأ هؤلاء القرصان تلكَ الأرض حتى أرسلوا إلى إسبانيا وإفريقية، يطلبون من إخوانهم الانضمام إليهم، وبدؤوا هم بالعمل في مكانهم، فما مضَت عدَّة سنوات حتى امتلأت تلك الأرض بالحصونِ والمعاقل”.

وفي عام 1980 كتب عنها أستاذ التاريخ الأمريكي “مانفرد وينر” Manfred Wenner  بحثا بعنوان “الوجود العربي الإسلامي في وسط أوروبا في العصر الوسيط”، كما ألّف الدكتور محمد السماك عنها كتاب “عندما احتل المسلمون جبال الألب” مستعرضاً قصتها، وكتبت عنها الدكتورة “أنسام غضبان عبود” و”قاسم عبده سعدون” بحثاً مهماً في مجلة “أبحاث البصرة العراقية”.

والحقيقة أن المصادر التاريخية العربية لم تمنحنا إلا أسطراً قليلة للحديث عن “فرخشنيط” تكررت بنفس الوتيرة دون تنقيب عن حقيقتها، فقال عنها الجغرافي “أبو القاسم الاصطخري” في كتابه “مسالك الممالك”: “وأما جبل القلال، فإنه كان جبلاً خراباً، وفيه ماء وأرض، فوقع إليه قوم من المسلمين، فعمروه، وثاروا في وجوه الفرنجة.. لا يُقدر عليهم لامتناع مواضعهم”.

أما “ابن حوقل” في كتابه “صورة الأرض” فقال عنها: “وجبل القلال جبل قديم على مر الزمان، فيه ماء وأرض وعمارة وحرث يقوت من نجا إليه، فوقع إليه قوم من المسلمين فعمروه، وصاروا في وجوه الفرنجة لا يقدر عليهم مواضعهم”.

وتسميتها بـ”القلال” ترجع إلى اسم جبل، أما “فراكسنيتيوم” فترجع إلى شجر كان منتشراً في جبال الألب، وأزعجت “فرخشنيط” مملكة “بروفانس” في جنوب فرنسا.

نشأة خاطفة

في القرن الثالث الهجري شهد البحر المتوسط نشاطاً بحرياً إسلامياً واسعاً، فقد برع الأندلسيون والأغالبة -سلالة عربية من بني العنبر بن عمرو من قبيلة بني تميم حكمت في إقليم إفريقية بالمغرب العربي- في ركوب البحر، واتخذ بعضهم من البحر وسيلة للجهاد والغزو.

ويتحدث المؤرخ الفرنسي “كريستوف بيكارد” في كتابه: “بحر الخلفاء: البحر الأبيض المتوسط في العالم الإسلامي في العصور الوسطى” أن المسلمين سعوا إلى طرد الروم من البحر المتوسط، وفرض سيطرتهم على شواطئه وسواحله، وكان التفوق البحري الإسلامي قوياً وطارداً للنفوذ البيزنطي، وفي تلك الفترة كثرت غارات الملسمين البحرية على سواحل جنوب أوروبا، ووصل بعضها إلى الجنوب الإيطالي، وهدد “روما” ذاتها.

وفي ذورة النشاط البحري ضل عشرون بحاراً طريقهم لترمي بهم الأمواج في منطقة جبلية كثيفة الأشجار جنوبي فرنسا، تعرف حالياً باسم “فرينيه” Feainet الواقعة حالياً في إقليم الـ”فار” Var عام (277 هـ=890م)،  لكنهم امتلكوا جرأة جعلتهم يتجولون في المنطقة الوعرة، حتى وجدوا حصنا جبليا منيعاً ومهجوراً، فاستولوا عليه وأصلحوه.

أحد حصون فرخشنيط

كانوا على دراية بفنون تشييد الحصون، وأدركوا أن الحصن محمي بموانع بحرية وجبلية، فاتخذوه وطناً جديداً، وأخذوا يغيرون على المناطق المجاورة لهم، فصارت لهم مهابة، ومع مرور الوقت أدرك هؤلاء المغامرون حقيقة دورهم، واستطاعوا أن يتواصلوا مع الخلافة الإسلامية في قرطبة.

كانت الأندلس في القرن الثالث الهجري تشهد أزهي وأقوى عصورها، ساعدها على ذلك قوتها البحرية، واضطراب الأوضاع في فرنسا بسبب انتقال السُلطة من الأُسرة الكارولنجيَّة إلى أُسرة “كاپييه”، فأغار المُسلمون على إقليم پروفانس Provence ، ورأت “قرطبة” في “فرخشنيط” فرصة لتستقر قوات مسلمة في جنوبي فرنسا لبث الرعب.

وكان الأمير “عبدُ الرحمٰن بن مُحمَّد”، الذي تولى الحكم عام (300هـ=912م)، واتخذ بعد عدة سنوات قراراً بتحويل الإمارة إلى خلافة، وتسمى بـ”عبد الرحمن الناصر”، فأخذ يرسل الحملات العسكرية التي عرفت بـ”الصوائف”، التي أزعجت وسط أوروبا، وأمام هذا التطور الاستراتيجي، رأت “قرطبة” في “حصن جبل القلال” شوكة يمكن أن تغرسها في خاصرة أوروبا، تعكر بها صفو أمنها ومواصلاتها في منطقة جبال الألب.

ورغم أن المصادر تصمت عن الحديث عن التحالف القوي بين “فرخشنيط” و”قرطبة” إلا أن الأندلس كانت الراعية الأساسية للحصن والذي يعتمد على عمقها الاستراتيجي في الاستمرار والصمود والقيام بوظيفته، فوقع التحالف بعد عشرين عاماً، وأرسل “الناصر” مائة من الفرسان للتأكد من الأوضاع في “فرخشنيط”، ثم توالى الدعم بالرجال والسلاح.

عانى جنوب فرنسا من الضعف، لتشتت إماراته وتنازعها وطوال أكثر من ثلاثين عاماً لم يقم الأوروبيون بأي عمل مضاد ضد “فرخشنيط”، ما سمح بسيطرة المسلمين على الممرات الجبلية الأساسية بين فرنسا إيطاليا وهي: “سان برنارد” و”جبل “سانيس” و”جبل جنيف” فأصبحت التجارة الأوروبية خاصعة للتهديد المباشر.

وبنى المسلمون الأبراج على الطرق الرئيسية لمراقبة التحركات الأوروبية، وأتاحت الأبراج قطع الطرق التجارية وفرض الرسوم، وكانت كثير من الأموال التي يسيطر عليها القابعون في “فرخشنيط” تجد سبيلها إلى خزائن قرطبة، كما تأثرت الممرات التي تنقل الحجاج الى الفاتيكان.

هجمة أوروبية معاكسة

هوجو ملك إيطاليا

أمام جرأة “فرخشنيط”، نجح الأوربيون في بناء تحالف واسع لمواجهتها عام 931م، بزعامة “هوجو” ملك بروفانس، وكان مدعوماً من القسطنطينية، ووصلت السفن البيزنطية القوية المحملة بالنار الإغريقية، التي كانت مصدر رعب للمسلمين، والتي لم يكن يعلم سرها إلا البيزنطيون أنفسهم، وهاجمت “فرخشنيط” ودمرت أسطولها، وحوصر حصنها، واقترب التحالف المسيحي من إسقاط تلك الإمارة العجيبة، لكن جاءت أخبار بأن الكونت “برنغار” يقترب من دخول “لومبارديا”، عاصمة “بروفانس”، فاضطر “هوجو” لرفع الحصار، والعودة إلى بلاده، وبذلك مُنحت “فرخشنيط” عمراً آخر لتمارس دورها.

وأمام الفشل البيزنطي ازدادت جرأة “فرخشنيط”، وقامت بعمليات مباغتة للحجاج والتجارة في ممرات جبال الألب، حتى وصلت عملياتها إلى دير “سان موريس” في وادي “الرون”.

كانت عمليات الإغارة على الحجاج المسيحيين تقلق ملوك بريطانيا والدنمارك، لذا أرسل الملك “أوتو الأول “Otto I” سفارة عام (341هـ=953م) إلى بلاط الخليفة عبد الرحمن الناصر لوقف غارات فرشخنيط، التي وصفها الأوروبيون بـ”قُطاع الطرق واللصوص”.

خاتمة

وقعت الإمارة العجيبة في خطأ كبير، أثار عليها الغضب الأوروبي من جديد، عندما أُسر فرسانها القديس “مايولوس” في ليلة السادس من شوال (٣٦١هـ=٢١ يوليه ٩٧٢م) في طريقه للحج إلى الفاتيكان، ولم يطلقوا سراحه إلا بعد الحصول على فدية كبيرة.

وليام الأول

سرت أخبار الواقعة في أوروبا، وقام الملك “وليام الأول”، حفيد “هوجو”، ببناء تحالف أوروبي كبير مصمم على إنهاء إزعاج “فرخشنيط”، ووقعت حروب عنيفة بين الإمارة والتحالف المسيحي، حتى انتصر الملك “وليام الأول” في معركة  “تور تور” tourtour عام 973م.

ولم يتم دخول الحصن إلا سنة (٣٦٤هـ=٩٧٥م ) فتم تدمير القوات المسلمة المتحصنة في “فرخشنيط”، ومن بقي منهم على قيد الحياة تم بيعه في سوق الرقيق، أو تنصيره، ويبدو أن ضعف الحصن يرجع إلى توقف الدعم القادم من قرطبة، بعد موت الخليفة “عبد الرحمن الناصر” عام 961م، واعتلاء ابنه “الحكم الثاني” للعرش، والذي كان أكثر ميلاً للسلام في سياسته الخارجية.

مصطفي عاشور

كاتب مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى