سياسةمختارات

32 دقيقة من الوعيد.. قَصَص وَفُرَص “داعش”

 

دلالات ورسائل كثيرة تمكن قراءتها من الكلمة الصوتية التي بثتها مؤسسة الفرقان، الذراع الإعلامية لـ”داعش”، على لسان المتحدث باسم التنظيم، أبوحمزة المهاجر القرشي، بعنوان “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” بعد نحو 5 أشهر من بثّ المؤسسة لكلمة مشابهة بعنوان “وسيعلم الكفار لمن عُقبى الدار” في 28 من مايو/أيار الماضي.

الكلمة الجديدة تزامنت مع حالة التراجع العملياتي التي يعيشها التنظيم خلال الفترة الماضية، إذ تراجعت وتيرة العمليات الإرهابية بنحو 21%، وفقًا للإحصاء الذي نشرته الصحيفة الأسبوعية لداعش “النبأ” في عددها رقم 256. كلمة “المهاجر” الأخيرة اشتملت على رسائل مهمة لأفراد ومناصري داعش، أهمها دعوتهم لشن هجمات إرهابية جديدة، خصوصًا في منطقة الجزيرة العربية.

لنحرق السعودية!

خصص التنظيم أكثر من نصف كلمته الأخيرة، والتي بلغت مدتها 32 دقيقة، لانتقاد اتفاقيتي السلام الأخيرتين اللتين أبرمتهما دولتا الإمارات والبحرين مع إسرائيل، مستغلاً إياهما للهجوم على العلماء والدعاة في السعودية وغيرها من الدول العربية، والذين يصفهم التنظيم دومًا بـ”علماء السلاطين”.

جانب من توقيع اتفاقية التطبيع الإسرائيلية الإماراتية

ومن الواضح أن مسألة الهجوم على العلماء والدعاة تشكل ركيزة أساسية في الخطاب الدعائي الداعشي، حتى إن اختيار عنوان الكلمة الصوتية “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” يتقاطع مع هذا الاتجاه، كونه يحمل تعريضًا بالكاهن بلعام بن باعوراء، أحد أحبار بني إسرائيل في زمن النبي موسى، والذي وردت قصته في سورة الأعراف علاوة على أنّ “بلعام” يوصف في التراث الإسلامي، بالعالم المنتكس الذي عرف الحق وزاغ عنه.

ولم تكن تلك المرة الأولى التي يهاجم فيها التنظيم العلماء في الدول العربية، ولا سيما أعضاء هيئة كبار العلماء السعودية، إذ سبق له وصفهم بـ”البلاعمة”، نسبة إلى بلعام بن باعوراء، ودعا داعش لاغتيالهم لأنهم –في رأي تنظيم الدولة-  يصدون الشباب عن الانتماء إلى داعش.

وشغلت المملكة العربية السعودية، حيزًا كبيرًا في الخطاب الداعشي، الذي ركز بنحو رئيس على الخطوات التي تتخذها المملكة في إطار رؤية 2030، محاولاً توظيفها في سياق “الحرب على الإسلام”، كما سعى لإسقاط رمزية هيئة كبار العلماء، وتحشيد الشباب للانتماء إليه ومبايعة زعيمه أبو إبراهيم الهاشمي القرشي، ومن ثم تنفيذ هجمات ضد المصالح الحكومية السعودية، والمصالح الغربية هناك.

خطاب ترويجي

يحمل الخطاب الداعشي السابق صبغة “تطهُرية” في المخيلة التنظيمية، ويحاول داعش بذلك أن يُقدم نفسه كحارس للمنهج الإسلامي الأصيل، وللفكر الجهادي بالأخص، الذي صار “ضحية جهل أهله وتفرقهم على بدع مذمومة”، على حد تعبير المتحدث باسم التنظيم.

ويحاول التنظيم الترويج لفكرة المظلومية، عبر تبني سردية تنص على أن هناك حربًا كونية وإعلامية ضده، يحاول التنظيم تصويرها على أنها حرب خبيثة هدفها صرف الشباب عن الالتحاق به، كونه يمثل تهديدًا حقيقيًا للأنظمة الحاكمة في المنطقة، على حد وصفه.

واستنادًا إلى المبرارات السابقة، يدعو داعش مواطني الدول الخليجية والمقيمين فيها إلى شن هجمات ضد المصالح الإسرائيلية بهدف عرقلة اتفاقيات السلام، والسعي لإسقاط الحكومات العربية، وهو هنا يحاول استغلال رمزية القضية الفلسطينية والتي لا يستدعيها إلا في حالات الضعف الذي تعتريه، لاعتبارات عديدة منها رؤية التنظيم التي تُركز على قتال “العدو القريب” أي الحكومات العربية، قبل العدو البعيد أي الولايات المتحدة والدول الغربية، انطلاقًا من القاعدة التي يتبناها داعش والتي تنص على أن “قتال المرتدين، أولى من قتال الكفار الأصليين”، بحسب المصطلحات الداعشية.

حرب استنزاف اقتصادية

في أبريل/نيسان 2019، دعا الزعيم السابق لداعش، أبوبكر البغدادي، أفراد ومناصري التنظيم لاتباع إستراتيجية الحرب الاستنزافية على المحاور العسكرية والاقتصادية، ومنذ ذلك الحين تزايدت وتيرة العمليات الإرهابية ضد المصالح الاقتصادية في عدة دول.

لقطة من خطاب البغدادي أبريل 2019

وعاد أبوحمزة المهاجر القرشي، المتحدث باسم داعش، ليدعو لاتباع نفس الإستراتيجية خاصة في الدول العربية، داعيًا إلى ضرب الاقتصاد السعودي، والتركيز على استهداف أنابيب نقل النفط، والمصانع والمنشآت التجارية وحرق الصالات والنوادي الترفيهية التي جرى افتتاحها مؤخرًا في البلاد.

ويبدو أن التنظيم سيسعى لشن سلسلة هجمات إرهابية منسقة خلال الفترة المقبلة، ويرجح أن تكون المنشآت الاقتصادية على رأس قائمة أهدافه، خاصةً أنه استدعى في الكلمة الجديدة رمزية “فأس الخليل” وهي الحملة المنسقة التي نفذها تنظيم دولة العراق الإسلامية لإفشال الانتخابات البرلمانية العراقية في 2010، كما تحمل الكلمة دلالة أخرى متعلقة بالرواية التاريخية عن النبي إبراهيم الملقب بـ”خليل الله” والذي حمل فأسه ليهدم بها الأصنام التي عبدها قومه.

ويهدف التنظيم من استعمال المفردات السابقة، أن يضفي وصف “الصنم والطاغوت” على النوادي الترفيهية السعودية، وبالتالي يعطي لأنصاره مبررًا لاستهدافها لكونها أهدافًا مدنية وليست عسكرية.

وفي السياق نفسه، دعا داعش لاستهداف الشركات المتعددة الجنسيات في الدول الإفريقية، معتبرًا أنها “تسرق ثروات تلك البلاد”.


كسر الأسوار

كلمة المتحدث باسم داعش، حَمَلَت رسائل عديدة لأفرع التنظيم المختلفة، كانت أولاها لفرعي غرب ووسط إفريقيا، وقد دعاهما إلى مواجهة جيوش دول نيجيريا ومالي وبوركينا فاسو والكونجو وكينيا وتشاد، إضافةً إلى عدم السماح للمنظمات الإغاثية بالعمل في مناطقهم.

عناصر داعش بغرب أفريقيا

وخلال الفترة الماضية، أقدم مسلحو التنظيم على اختطاف عدد من عمال الإغاثة في غرب إفريقيا، قبل أن يعدمه لاحقًا، وبررت صحيفة “النبأ” الإعدامات بقولها إن المنظمات الإغاثية تعمل مع أجهزة الاستخبارات الغربية، وتبشِّر بالديانة المسيحية، مشددًا على نيته إعدام أي شخص يتبع أو يتحالف مع هذه المنظمات.

كما حملت الكلمة إشادة بالعمليات الأخيرة لعناصر التنظيم في موزمبيق والتي مكنتهم  من الاستيلاء على مناطق إستراتيجية خلال الفترة الماضية، إضافةً إلى ثناء شبيه على الفرع الصومالي، ونظيريه العراقي والسوري، واللذين يشكلان الكتلة الصلبة للتنظيم.

في حين بارك التنظيم عملية فرعه بأفغانستان، والتي استهدفت سجن جلال آباد بولاية ننجرهار وأسفرت عن هروب العشرات من عناصره هناك، ودعا لشن المزيد من الهجمات على غرارها، مبينًا أن هذه العمليات خطوة مهمة تسبق مرحلة “التمكين، ومسك الأرض” في محاكاة واضحة لتجربة داعش بالعراق، حيث بدأ منذ 2012 حملة منسقة عُرفت بـ”هدم الأسوار” استهدفت اقتحام السجون وإطلاق سراح عناصره وقيادته، ومن ثم العمل على ترميم البناء الهليكي للتنظيم قبل أن يبدأ داعش مرحلة جديدة، بحلول عام 2014، كانت السيطرة على المدن سمتها الرئيسة. وحث القرشي عناصر التنظيم في سيناء على شن هجمات إرهابية جديدة، ونقل المعركة خارج المعاقل التقليدية للنشاط الداعشي.

تأمينات سجن جلال أباد

في اليمن، دعا التنظيم عناصره لـ”الصبر” وتحمل البلاء، وفقًا لتعبيراته، وذلك على خلفية الهزائم التي تعرض لها في منطقة قيفة (محافظة البيضاء) على أيدي جماعة الحوثي التي سيطرت على معاقله هناك بعد مواجهات استمرت لعدة أيام، وأسفرت عن مقتل أمير التنظيم مع 40 آخرين.

التمهيد لبيعات جديدة

ومن اللافت للنظر أن كلمة “فاقصص القصص لعلهم يتفكرون” تضمنت إشارة إلى بيعات جديدة قامت بها مجموعة جهادية لزعيم داعش، أبو إبراهيم الهاشمي، وهو ما يعني التحاقها بركب التنظيم، وبالطبع سيساهم ذلك في اتساع الرقعة الجغرافية للهجمات الإرهابية مستقبلاً.

ويبدو أن داعش يمهد لظهور إعلامي مرتقب لزعيمه الجديد، سيكون غالبًا بكلمة صوتية، وهو ما يمكن استنتاجه من التركيز الإعلامي عليه خلال الفترة الماضية، إضافةً إلى التأكيد الجديد على أنه يتابع أمور التنظيم، ويقبل البيعات، ويوجه الأفرع المختلفة بناءً على الواقع العملياتي المتغير.

ويحاول التنظيم اتباع استراتيجية متريثة بعض الشيء، وهو ما يظهر من توصية الهاشمي للمجموعات الجديدة التي انضمت إلى تنظيمه بألا تتعجل قطف الثمار، أي لا تتسرع في شن هجمات إرهابية استعراضية أو تسعى لمسك الأرض في الفترة الحالية، داعيًا للتركيز على إستراتيجية وتكتيكات الحرب الاستنزافية، ومحاولة إطلاق سراح عناصر التنظيم من السجون في الدول المختلفة، فضلاً عن الاستعداد المكثف لاغتنام الفرص السانحة للظهور من جديد والتي على رأسها التأثيرات العالمية لجائحة كورونا.

ومن المتوقع أن يحاول تنظيم داعش خلال الفترة المقبلة إثبات حضوره على نحو أقوى على الساحة، ليؤكد أنه لا يزال في قيادة “الجهاد المعولم”، رغم أن طابع العمليات، خلال المرحلة الماضية، كان يركز على استغلال النزاعات المحلية كفرصة للظهور والانتشار.

 

 

أحمد سلطان

باحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى