ثقافة وفنمختارات

4 مقالات منسية لنجيب محفوظ عن حرب أكتوبر

 

 

في الذكرى الثامنة والأربعين لحرب أكتوبر يُعيد “ذات مصر” نشر 4 مقالات منسية لنجيب محفوظ نشرها في جريدة الأهرام القاهرية في 10 و19 و26 و27 أكتوبر/تشرين الأول 1973 على التوالي، قبل أن تضع الحرب أوزارها، ونقلتها عنها “الآداب” البيروتية، التي حصل “ذات مصر” على إذن مُسبق منها بإعادة نشرها ليُطلع القارئ المصري على مقاربة الأديب العالمي لتلك الحرب.

في المقال الأول يبدو “محفوظ” مأخوذًا بعظمة الإنجاز المصري، الذي رفع وزر الهزيمة عن كاهل الشعب لتعود إليه كرامته المستباحة لمدة 6 سنوات من الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، لذا جاءت تعبيراته بلاغية بالكامل وخطابية على نحو ما وعاطفية بالطبع.

أما المقال الثاني، الذي وصّف فيه حرب أكتوبر كـ”ثورة”، فقد أخذ بعدًا تاريخيًّا حاول فيه أن يُجري مقارنة مع ثورة 1919، التي امتدت مفاعيلها السياسية والحضارية لثلاث عقود على الأقل.

لدى محفوظ رؤية معينة للثورة تختلف عن التصورات الكلاسيكية، (العلم اجتماعية) للثورات، فهو يراها وثبة روحية وليست انفجارًا مخططًا عماده تراكُم البؤس والتحريض السياسي، ولا يعني هذا أن محفوظ أغفل البعد التخطيطي لحرب أكتوبر، بل رأى في حرب من هذه النوعية (بين مجتمعين أحدهما تقليدي ضارب بجذوره في أعماق التاريخ، وآخر حداثي مصطنع) تجاوزًا من المصريين لواقعهم وانتصارهم على التحديات الصعبة.

وفي المقالين الثالث والرابع كان أديب نوبل سبّاقًا باستشفاف ملامح العصر الآتي الذي كان شعاره “العلم والإيمان”، فاعتبر أن الدرس الأول المستخلص من 6 أكتوبر، هو الدور الذي لعبه الإيمان في الصراع مع إسرائيل، بل وأعطى محفوظ طابعًا جوهرانيًّا لـ”إيمان المصريين” الذي اعتبره جزءًا عضويًّا من شخصيتها.

واعتبر أن الدرس الثاني من الحرب هو “الانتفاع الذكي من العلم” كضرورة حيوية للتعامل الحقيقي مع العصر، لتُحقق في نصه معادلة: “الأصالة والمعاصرة”.

لقد كان محفوظ ابن عصور متباينة، لكنه في مقالاته الأربعة ابن لحظته بامتياز..

وإلى متن نصوصه:

حرب 6 أكتوبر أجبرت القوى العظمى على إعادة النظر في الصراع العربي – الإسرائيلي – أرشيفية

عودة الروح

رُدت الروح بعد معاناة طعم الموت ست سنوات، رأيتُ المصري خلالها يسير في الأسواق مرتديًا قناع الذل، يثرثر ولا يتكلم، يقطب بلا كبرياء، يضحك بلا سرور، يتعامل مع المكان وهو غريب، ويساير الزمان بلا مستقبل، من حوله عرب متقاربون وقلوبهم شتى، وأصدقاء من العالم يعطفون عليه بإشفاق لا يخلو من زراية، وعدونا يعربد، يأسرنا في السماء، يتحدانا في الأرض، ضربة في سوريا، لطمة في لبنان. وأسأل النفس الحزينة ما العمل، ما المصير؟ القتال منا يُقال محال، والاستسلام محال، والاستنزاف لا يتوقف.

ثم رُدت الروح بعد معاناة الموت ست سنوات، روح مصر تنطلق بلا توقع، تتعملق وتخلق مقدمات، تتجسد في الجنود، بعد أن تجسدت في قلب ابن من أبر أبنائها، تقمص في لحظة من الزمان عصارة أرواح الشهداء العظام من زعمائها، واتخد قراره ووجه ضربته.

ووقعت المعجزة.

انتقل الجيش من الغرب إلى الشرق.

بادر العرب إلى العروة الوثقى.

ذهل الأصدقاء والأعداء.

استرد المواطن عهود مجده وكبريائه.

سارت مصر من عصر إلى عصر، ومن عهد إلى عهد، ومن موت إلى خلود.

أيها الزعيم!

لقد وفرت السلاح، ولعلمك بأن الإنسان لا يحارب بالسلاح وحده، سلّحت شعبك قبل ذلك بالقانون والديمقراطية والحوار الحر.

فإلى الأمام. ومهما تكن العواقب فقد رُدت إلينا الروح والعصر والمستقبل.

الأهرام     

10 أكتوبر/ تشرين الأول

نجيب محفوظ في أحد شوارع القاهرة في السبعينات- أرشيفية

ثورة 6 أكتوبر

إنها ثورة وليست معركة فحسب. المعركة صراع بشري ينتهي بالنصر أو بغيره، أما الثورة فوثبة روحية تمتد في المكان والزمان حتى تتحقق حضارة.

وهي ثورة لأنها لم تكن مجرد تدبير محكم وتنفيذ متقن، ولكنها رمز لثورة الإنسان على نفسه وتجاوزه لواقعه وتحديه لمخاوفه ومواجهته لأشد قوى الشر عنفًا وتسلطًا.

والثورة قد تتعثر ولكن جذوة روحها لا تطفئ، فثورة 1919 كفت عن القتال المادي بعد عامين من قيامها ولكن روحها ظلت تناضل وتبدع في مجالات السياسية والاجتماع والاقتصاد والثقافة.

لذلك أقول إن 6 أكتوبر ثورة وليس معركة فحسب، فتحت لنا الطريق بلا نهاية، ليست معركة التحرير إلا أول دقة على بابه، وليس العبور إلا أول قفزة في تيار تحدياته، وليس النصر إلا أول نصر على عقبة من عقباته.

وهو طريق يصادف الماضي فيه النجاح والفشل، والنصر والهزيمة، والتقدم والتقهقر، ولكن كل أولئك مواقع وعلامات، نمر بها ونتعلم منها، ولا نتوقف عن التقدم أبدًا.

   هذه هي ثورة 6 أكتوبر، ثورة بطل تحرير مصر الحديثة، ثورة الإرداة والعقل والروح.

الأهرام   

19 أكتوبر/ تشرين الأول

دبابات تحمل جنودًا مصريين انتصروا لتوهم – أرشيفية


الدرس الأول

الدرس الأول المستخلص من 6 أكتوبر هو الدور الذي لعبه الإيمان في الصراع. الإيمان عنصر جوهري في روح الأمة العربية. إنها تستيقظ وتنام، تأكل وتشرب، تجتهد وتجاهد، تتحدى وتقاتل، تخاصم وتهادن، باسم الله، بمناجاة الله، وفي سبيل الله.

لذلك فإن مسؤوليتها حيال هذا الإيمان خطيرة باعتباره جزءًا لا يتجزأ من شخصيتها. عليها أن تدعمه، أن نقيمه على أسس راسخة مضيئة، عليها أن تنقيه من الخرافات، تصونه من الانحرافات، وتسمو به إلى الدرجات العليا من الصفاء والنقاء.

الإيمان رسالتها الذاتية في وطنها الذي كان أول وطن يُدعى فيه إلى عبادة الواحد الأحد منذ عهد إخناتون.

وطنها الذي كان بعد ذلك مهد الرسالات السماوية، وميدان جهاد الأنبياء والمرسلين. فرسالتها هي رسالة الحب والإخاء لجميع عباد الله، لا نفرق في ذلك بين أغلبية وأقلية، ولا تعيش فيها الأقلية بفضل حماية الأغلبية وتسامحها ولكن بصفتهم أعضاء متساوين في الحقوق والواجبات في وطن مقدس واحد، وحّد أهله حب الأرض والشوق إلى ذي الجلال، جميعهم مواطنون مؤمنون من درجة واحدة، لا تمييز بينهم إلا بالكفاءة والخلق.

بذلك تتحدد رسالة العالم العربي الإنسانية الأخلاقية في هذا العصر، يضرب بها المثل الأعلى للعنصريين في جنوب إفريقيا، ومضطهدي الزنوج في الولايات المتحدة، والمتعصبين في إيرلندا والفلبين وإسرائيل. هذا ما يطالبنا به الإيمان. وهذا ما تطالبنا به أرواح الشهداء.

الأهرام   

26 أكتوبر/ تشرين الأول

هزت صدمة الهزيمة المجتمع الإسرائيلي في الأعماق وأعادت الثقة للمصريين – أرشيفية

الدرس الثاني

الدرس الثاني هو الدرس المستخلص من الانتفاع الذكي من العلم على جميع المستويات. القيادة السياسية تعمل بتخطيط منهجي دقيق وحكيم، غزت به حصونًا منيعة كانت تقف حتى الأمس القريب مع العدو، وألفت بين قلوب عربية شتتها نزاع هوائي واهي الأساس فتحقق بذلك إنجاز هام مهّد الأرض لمعركة مصير القيادة العسكرية كما ثبت من انتصاراتها، وكما شهد به الأعداء قبل الأصدقاء من قوة تكتيكاتها، آية على الكفاءة العسكرية العملية التي أهّلتها لمعركة عصرية معقدة، والجنود الأبطال لم يهجموا ويصمدوا بقوة الإرادة والروح وحدها ولكن باستيعاب جيد للأسلحة الحديثة.

نستخلص من ذلك أنه لا نجاح في حرب أو سلم في هذا العصر بغير العلم، إنه الباب الشامخ الذي لا دخول إلى العصر إلا من خلاله.

والعلم استيعاب ودراسة من ناحية، وخلق وإبداع من ناحية أخرى. ونحن نسستوعب بدرجة محمودة ولكن يجب ألا نقتنع بذلك، لا بد من تهيئة المواهب والمناخ وتشجيع البحوث التي تنقلنا من مستوى الدرس والاستيعاب إلى مستوى الخلق والإبداع.

وليس الهدف من ذلك إثبات الذات فحسب، ولكنه ضرورة حيوية للتعامل الحقيقي مع العصر، بل هو السبيل الوحيد للاستقلال الذي نضحي بأرواحنا في سبيله.

أجل لم يعد الاستقلال حماية للحدود وحفاظًا على الأرض فحسب، ولا هو حتى الاستقلال الاقتصادي مضافًا على الاستقلال السياسي، إذ إنه ما دامت توجد أوطان مبدعة خلاقة في العالم وأخرى متلقية مستوعبة، فلا مفر من أن يكون الخلاق متبوعًا والآخر تابعًا، ولو استقل بأرضه واقتصاده وثقافته، سيجد نفسه في حاجة متواصلة إلى استيراد الخبرة والجهاز والسلاح والدواء، سيجد نفسه عند الشدة تحت رحمة الآخرين، ولن يكون له وجود كريم إلا إذا أسهم في الإبداع وشارك في العطاء.

ولقد انهزمت ألمانيا هزيمة ساحقة في الحرب العظمى الثانية، وقد انتصرت فيتنام في حرب التحرير انتصارًا بطوليًّا أسطوريًّا، ولكن لأن ألمانيا أمة علمية فما لبثت أن وثبت إلى مركز القيادة الحضارية الجدير بها. أما فيتنام العظيمة فلن تغنيها بطولتها عن طلب الخبرة والعلم من أعداء الأمس.

     فلنعط العلم بلا حساب وبلا حدود.

وهذا ما يطالبنا به العصر.                                                       وهذا ما تطالبنا به أرواح الشهداء.

الأهرام  

27 أكتوبر/ تشرين الأول

 

 

محمد جبريل

صحفي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى