Attack On Titan

صرخة وجودية ضد عبثية حياتنا

جرعة وجودية عالية يحملها مسلسل الأنيمي “هجوم العمالقة” Attack On Titan وهي سلسلة مانجا يابانية، من تأليف ورسم هاجيمي إيساياما، فكلما وُضع أبطاله في اختبار حقيقي، يتجلى في قلب المسلسل السؤال الوجودي في أوضح صوره: ما غايتنا في هذه الحياة؟ هل وُجدنا كي يأكلنا العمالقة؟ لماذا وجدنا إذًا؟ لماذا كنا نتعلم ونعمل ونمتلئ بالأحلام والآمال؟ ما فائدة كل ما تكبدناه في حياتنا إن كان مصيرنا هكذا؟ نموت ونُباد بالجملة والتفصيل بأساليب بشعة، ولا يشعر بوجودنا أحد، ونضيع في غيابة المجهول، جئنا إلى الدنيا دون اختيار، ورحلنا دون خطة محددة.. ما الغاية من كل شيء؟

بدأت سلسلة Attack On Titan للمرة الأولى عام 2009 ولاقت رواجًا منقطع النظير خلال الأعوام الفائتة، وخاصة بعد تحويلها إلى عمل أنيميشن ياباني له وقع ديستوبي مظلم، إنتاج شركة “ويت ستوديو” عام 2013، صدرت منه 3 مواسم، والآن يُعرض الموسم الرابع والأخير، وينتظر العالم بشغف مصير الأبطال.

3 أسوار ضخمة “ماريا” و”روز” و”سينا”، تحيط سكان المدينة الذين يظنون أنهم آخر من تبقى من البشرية، لا يتذكرون من صنع تلك الأسوار ليحميهم من بطش العمالقة، الذين يجوبون الأرض خارج الأسوار، ولا يعلمون عنهم شيئًا، ولا من أين جاؤوا.

في الحلقة الأولى، حدثت الكارثة الكبرى، ظهر عملاق ضخم يبلغ طوله 60 مترًا، لم يروا له مثيلاً من قبل، كسر السور الخارجي، فتدفق العمالقة إلى منطقة “ماريا”، وأبادوا ثلث سكان المدينة، وأكل أحدهم أم البطل “إيرين” أمام عينيه وهم يلوذون بالفرار إلى منطقة “روز”، في مشهد دموي صاخب ومؤثر، وبداية غير عادية، تجعلك تتساءل: كيف سيستمر المسلسل بالتالي، إن كانت الحلقة الأولى صادمة هكذا؟ إنها النهاية ولا شك!

لحظة موت أم إيرين

إيرين والصرخة الوجودية

بعد حادث التهام أمه المُفجع، صار لدى إيرين هدف محوري في حياته، وهو القضاء على العمالقة عن بكرة أبيهم، فالتحق بفريق الاستطلاع، وتدرب هو ومجموعة من المتطوعين 5 سنوات على القتال، وعندما اقتحم العمالقة السور الثاني “روز”، كانت أولى مشاركاته مع فريقه ضد العمالقة، والتي راح ضحيتها “إيرين”، حين أنقذ صديقه “أرمين” والتقطه من فم أحد العمالقة، ولكنه لم يتمكن من النجاة، فابتلعه العملاق.

في أحشاء العملاق، وجد “إيرين” حوله عشرات القتلى العائمين في بركة الدماء، وقد أوشكت نهايته بالتحلل في بطن العملاق، ظل يقول لنفسه بحرقة “ليس هذا ما كان ينبغي أن يحدث، لقد تدربنا جيدًا على القتال، هل حان موعد انتهاء كل شيء؟ ثم رأى فتاة تحتضر تنادي أمها، فجاءت صورة أمه في مخيلته، وصرخ: “لماذا يحدث هذا؟ لماذا سرقت منا حياتنا وأحلامنا؟” وهي تساؤلات تصب في صميم معنى الحياة، وأخيرًا، نهض وحشه الوجودي ليعلن صارخًا أنه لن يستسلم، سيبيدهم، سيقضي عليهم واحدًا واحدًا.

في تلك اللحظة، يتجسد العزم على الانتقام لدى “إيرين” في صورة عملاق، فتحوّل إيرين إلى عملاق كبير، هتك جسد العملاق الذي ابتلعه، وخرج وفي باله فكرة وحيدة “قتل العمالقة” فأخذ يفتك بهم بلا وعي، كأن هذا العملاق هو تمثل خالص لفكرة الوجودية، وخلق معنى للحياة بكل ما أوتي الإنسان من صبر وإصرار وعزيمة وقوة، مهما كلف الثمن.

عملاق إيرين

الصرخة الوجودية الثانية جاءت بعدما علم “إيرين” أن بإمكانه التحول إلى عملاق، أخذ يتدرب على ذلك، ليكون واعيًا بما يفعل، وفي أثناء ذلك اكتشفوا خيانة أحد أفراد الشرطة العسكرية، صديقته “آني”، التي كانت لديها القدرة كذلك على التحول لعملاق، لكنها تحارب البشر. وفي اللحظة المناسبة التي كان ينبغي أن يتحول فيها “إيرين” إلى عملاق لم يستطع ذلك، لسيطرة فكرة أنه سيحارب شخصًا عزيزًا عليه، ما ولّد بداخله صراعًا نفسيًا جبارًا.

وبينما كان في حالة يُرثى لها، بعد أن هدم عملاق “آني” المبنى عليه، واخترق بطنه سيخ خشبي غليظ ثبته في الأرض، وبمساعدة من صديقه “أرمين” الذي أخبره أن البشرية كلها تعتمد عليه في تلك اللحظة بالذات، وعليه أن يدرك عدوه الحقيقي، وهي كلمات أشعلت طاقة الحماسة فيه، تخلص “إيرين” من السيخ الخشبي بصعوبة، ثم ظهر وحشه العملاق من جديد.

وعندما تمكنت منه “آني” وطرحته أرضًا وأهلكت قواه، أبى وحشه الوجودي الاستسلام، وشحن عملاقه بطاقة وجودية هائلة، فتوهج جسده، دلالة على شعلة العزيمة والإرادة المتقدة، وتمكن من التغلب على عملاق “آني” في النهاية.

أما الصرخة الوجودية الثالثة، فكانت في لحظة فارقة أخرى، يعتمد المسلسل على مثلها دائمًا، وهي اللحظات التي يدرك فيها الأبطال أن النهاية آتية الآن لا محالة، وأنه ليس بإمكانهم الانتصار أو تحقيق هدفهم، وأن الشر لا بد من أن ينتصر في تلك الوضعية المأساوية.

العمالقة

كان الفريق في منطقة فضاء مترامية الأطراف، حيث لا يستطيع التحليق بـ”عدة المناورة” التي تستلزم وجود مبانٍ أو أشجار ليتعلق بها العناصر في أثناء القتال، وكانت العمالقة حولهم من كل اتجاه، ومن أمام “إيرين” وقف العملاق الذي أكل أمه تحديدًا.

كان “إيرين” قبيل ذلك قد تحوّل لعملاق بالفعل، ولا يمكنه التحول مرة ثانية إلا بعد مرور وقت كفيل بإعادة تهيئة جسده لذلك. حينها حاول “إيرين” أن يتحول عن طريق عض يده، لكن دون جدوى، قطع جلده بأسنانه ونزف الدماء، وبكى بحرقة عندما وجد النهاية تحلق فوق رؤوسهم، رفقاؤه يُؤكلون من حوله، وهو لا يستطيع أن يقدم يد المساعدة، إنه سلاحهم الأقوى، لكن الحظ لم يكن في صالحه.. إنها نهاية كل شيء إذًا.

ولكن رغم أن كل شيء كان يدعو للاستسلام، أو الهروب اليائس، فإن “إيرين” توجه ناحية العملاق، وصرخ صرخة وجودية عاتية، جعلت جميع العمالقة الآخرين يهجمون على ذلك العملاق الذي قتل أمه، ويأكلونه، لنعلم فيما بعد أن لدى “إيرين” قدرة لم يتقنها بعد، بل صدرت منه عن لا وعي، ونتاج إرادة وجودية عظيمة مدفونة في كيانه، إنها قدرة العملاق المؤسس، وهي التحكم في العمالقة الآخرين.

صرخة إيرين

إلامَ يرمز العمالقة؟

من الموسم الأول يتضح أن العمالقة يمثلون كل عائق يقف أمامنا في الحياة، ويتحتم علينا هدمه، واجتيازه. أو ربما تعبير عن الحياة نفسها بما فيها من كد، وإصرار الإنسان على الدخول في غمارها، بعد أن وجد نفسه متورطًا فجأة فيها، إذ إنه في الغالب لم يختر وجوده، لذا عليه أن يخلق ماهيته ويخلق معنى لذلك المجهول الذي وجد الإنسان نفسه فيه.

فالحياة لها نهاية، وهي الموت، وبأي نظرة إنسانية كانت، يرى الفرد العالم كما يراه أبطال Attack On Titan، وسؤال من أين جاء “العمالقة” ولماذا يفعلون ذلك بنا؟ له نظيره في الواقع، والذي يودي بالعديد منا إلى السقوط في براثن الاكتئاب والأمراض النفسية، فيأتي المسلسل كي يعالج تلك الأزمة الوجودية، بأن يعطي المتلقي نفحة وجودية وطاقة إيجابية عظيمة، تجعله يوقن بأن الحياة في أصلها بحاجة إلى الجد والكد والاجتهاد والمثابرة والعزيمة والإرادة والعمل والمحاولات والفشل، والاستمرار في المحاولة مهما بدت الحياة أكثر صعوبة، فالموت آتٍ حتمًا، لذلك من واجبنا الوجودي الغريزي أن نحيا أولاً، ومن ثم التفكير في إمكانية جعل حياتنا أكثر حيوية ونشاطًا، بحيث نحقق لها معنى ما، وهدفًا نعيش من أجله.

القرد العملاق يقذف صخوره

البحث عن معنى ما

عندما أُوكلت المهمة لـ”إيرين” كي يتحول إلى عملاق ويحمل حجرًا ضخمًا يسد به الفجوة الموجودة بجدار “روز”، سأله “بيكسيس” القائد الأعلى “هل تستطيع أن تفعل ذلك؟” فلما تردد “إيرين” في الإجابة، قال بيكسيس “لقد سألتك السؤال بطريقة خاطئة، سأعيد صياغة السؤال: هل ستفعل ذلك أم لا؟”

تصل الروح الوجودية في المسلسل إلى درجة التشبع، جميع أبطال المسلسل تقريبًا لديهم تلك الروح، فها هو “إيان” يقرر حماية “إيرين” بعد أن تحول إلى عملاق، لكنه فقد السيطرة، وصار عديم الجدوى، راقدًا هناك لا يلوي على شيء، و”ريكو” تصرخ فيه أنهم خسروا مئات الجنود، ليس هناك داعٍ لحماية “إيرين” من العمالقة، فيبدو أنه لن يقوم مرة أخرى، فأصدر الأمر النافذ بصفته القائد، بأن “إيرين” هو أملهم الوحيد للنجاة، وسيستمرون في المحاولة مرارًا وتكرارًا، مهما كان الثمن، والدفاع عنه حتى يستطيع التحكم بنفسه مجددًا.

القائد إروين يقود الجيش للهجوم الانتحاري

وها هو “إيروين” القائد والمحارب العظيم، عندما أصدر أصعب أمر لجنوده، وأدق خطاب يقتنص لب الوجودية كلها، في أواخر الموسم الثالث، عندما كان العملاق “القرد” يقذفهم من بعيد بالصخور، فتهبط عليهم كقذائف المدافع تدك المدينة، وأوشكت الإبادة على الاكتمال. لم يجد “إيريون” خيارًا آخر سوى الإعلان عن مهمته الأخيرة: الهجوم المباغت صوب العملاق من أجل تشتيته، يموت منهم من يموت، ويتسلل “ليفاي” أفضل مقاتل في المسلسل، ليجهز على العملاق.

عندما أخبر “إيروين” الخطة لجنوده، تساءل أحدهم “هل نحن متجهون جميعًا إلى حتفنا؟ أتريد أن تقول إننا إن كنا سنهلك فلنمت ونحن نقاتل؟” فأجاب “إيروين” نعم، فتساءل الجندي “حتى وإن قُتلنا بطرائق بشعة؟ أتريد أن تقول إن كل ذلك ليس له معنى؟” عندها قال “إيروين” أعظم خطبة في المسلسل “لقد أصبت كبد الحقيقة، ليس هناك معنى، لا يهم إن كانت لديك آمال وأحلام، لا يهم إن كنت قد عشت حياة هانئة، ليس هناك فرق إن مت بقذيفة من الصخور، فالكل سيموت يومًا ما”.

ولكن هل يعني ذلك أن الحياة بلا معنى؟ وهل كان هناك معنى لوجودنا؟ هل كنت ستقول ذلك لرفقائنا الذين سقطوا؟ هل كانت حياتهم بلا معنى؟ كلا! نحن الآن من نخلق المعنى لحياتهم، لن يتذكر شهداءنا أحدٌ سوانا، نحن الأحياء، والآن نحن نموت واثقين فيمن سيتبقى منا كي يبحثوا عن معنى لحياتنا، إنها الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها التمرد على هذا العالم القاسي!”

لخصت خطبة “إيروين” المعنى الدقيق للوجودية في أعمق صورها، إنه البقاء وعدم الاستسلام تحت أي ظرف، وفعل المستحيل من أجل تحقيق الهدف في الحياة. وفي ذلك قال “سارتر” الفيلسوف الوجودي الفرنسي الأشهر “الشخص الذي يولد مشلولاً، ولم يكسب في سباق العدو، فهو مُقَصِّر” وفي تلك المقولة دلالة قوية على الحرية المطلقة للإنسان، وأن بإمكانه أن يفعل أمورًا مستحيلة، يتمرد بها على قوانين الطبيعة، أو كما فعل أبطال “هجوم العمالقة”.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد صادق

صحفي مصري

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram