ثقافة وفنمختارات

بلاكستار: سباق ديڤيد بوي الأخير مع السماء

"أنا أحاول، أنا أحتضر"

في منتصف  عام 2014، بعد أشهرٍ من احتفال ديفيد بوي بذكرى ميلاده الـ 67، وبعد عامٍ من إطلاق ألبوم عودته، “The Next  Day” الذي تلى غيابًا استمر عقدًا بأكمله، عرف بوي من طبيبه أن نتيجة فحوصاته هي إصابته بسرطان الكبد.

لجأ بوي بتوصيات مُلِّحة من طبيبه للعلاج الكيميائي، وآثر إخفاء الأمر عن الجميع عدا عائلته وعدد محدود جدًّا من المقربين.

نظر إلى مرآته وقد تبدلَّت ملامحه وطابقت ملامح أبيه هايوود ستنتون جونز، في آخر أيامه قبل أن يرحل بهدوءٍ إثر التهاب رئوي حاد. انقبض قلب بوُّي، ثم تذكر أنها ليست الميتة الأولى، لكنها قد تكون الأخيرة، في حيوات طويلة ومتعددة.

بوّي خلال تصوير “الرجل الذي سقط إلى الأرض” بالمكسيك عام 1975 – Steve Schapiro

تذكر بوُّي حلمًا أخيرًا مؤجلاً منذ شبابه. جلس مع صديقه المنتج المسرحي روبيرت فوكس وأخبره أنه يريد كتابة مسرحية موسيقية بعنوان “لازاروس”، أما القصة نفسها فستكون تتمة لقصة الفضائي “توماس جوروم نيوتن” التي قدّمها في فيلمه “الرجل الذي سقط إلى الأرض” والمقتبس عن رواية الأمريكي والتر تيڤيس والتي تحمل نفس الاسم، رشَّح له فوكس التعاون مع مع الكاتب المسرحي “إندا والش” في كتابة العمل واستقر اختيار بوُّي عليه بعد شهرين.

جاء “نيوتن” الفضائي إلى الأرض لجلب الماء والعودة لإنقاذ كوكبه المحتضر، لكن سُبُل عودته تعقّدت بعد اكتشافه تأخر التقنيات على الأرض بما لا يسمح له بتطوير وسيلة لنقل الماء عبر مركبته والعودة، استمر لسنواتٍ يحاول تطوير مركبته، وحين أوشكت خطته على النجاح، اعترضته الحكومة الأمريكية، وتحطم آماله.

لم يبق أمامه خيار إلا البقاء والتعايش بالمخدرات والكحول، متخفيًا تحت جلد بشري لا يشبهه، تفاقمت مشكلات جسده وحواسه التي ضعفت، فظل يحتضر بلا نهاية. بعد أن كان أمله أن ينقذ كوكبه من الفناء، صار يحاول إيجاد مفر يُسهِّل موته في سلامٍ بلا ألم.

قبل أن تبدأ ورشة إعداد المسرحية، بعث بوّي برسالة إلى روبيرت فوكس يطلب منه أن يذهب إلى مكتبه في نيويورك. عندما دخل فوكس مكتب ديڤيد بوّي، كان ينتظره في مكالمة على سكايپ. حدثه عن صعوبة وجوده المستمر طوال انعقاد الورشة، وأنه سيبقى مشاركًا عن بُعد، ثم أفصح له عن خضوعه للعلاج الكيميائي، وأنه يعاني من السرطان، على أن يظل الأمر سرًّا بينهم.

ديفيد بوّي بعدسة لورد سنودن (1978)

موت وحيوات كثيرة

طوال مسيرة استثنائية استمرت 5 عقود ونصف، ورغم تحققه كواحد من آخر آلهة الروك غزيري الإنتاج، لم يكن بوّي بغريبٍ عن الموت وإعادة التجسُّد. فمنذ انطلاق مسيرته الفنية مطلع ستينات القرن الماضي، لم يكفّ ديفيد بوي عن تحدي ذواته المتعددة، كموسيقي أو منتج أو ممثل أو مخرج أو فنان تشكيلي.

بعد 3 أشهر من رحيل والده، كانت ميتة بوّي الثانية. في محاكاةٍ لعزلته وعدم تآلفه مع عالمه المحيط وسعيه المستمر  إلى السمو بروحه عاليًا، بُعث بوُّي في جسد شخصيته الأولى “ميجور طوم” إلى الفضاء في مهمة انتحارية، وتركه حبيسًا، ليضيع ومركبته بلا أمل، ويشاهد الكون من حوله عبر زجاج كبينته وينتظر في صمتٍ نهايته الحتمية بعد انقطاع اتصاله بالأرض.

ولأن بوّي تعلّق منذ الصغر بأخيه غير الشقيق “تيري” وكَبر في رعايته، انفطر قلبه حين بدأت تظهر عليه أعراض انفصامية، ثم تضخم ذلك الرعب الصامت تحت جلده إلى هلع مستمر، كان تيري امتدادًا لتاريخ مُعتِم من المرض النفسي الموروث في عائلة أمه وكثيرًا ما سمعها تقول إنها بذرة سامة، تلك التي خرجت منها العائلة. اعتقد بوُّي أن دوره قد أتى ليلحق بذلك الإرث.

حاول الهرب من هلعه الدفين ومرضه العقلي المحتمل يلاحقه من حينٍ إلى آخر، حتى إنه كتب عن ذلك “الرجل الذي باع العالم ذلك الرجل هو ديفيد بوُّي نفسه، بعد أن بدأت هلاوسه في التمدد وزاد خوفه من أن يفقد إحساسه بالواقع من حوله، اختار بوِّي وقتها أن يتوسع في تخفيه وراء شخوصه وعوالمه المتخيلة على أن يصطدم بكابوسه، وبدأ يجمع القصاصات ويعيد تكوين عالمه.

استحضر بوُّي “زيجي ستارداست”، نبيًّا فضائيًّا أندروجيًّا، لينقذ الأرض من نهايتها المتوقعة بعد 5 أعوام على أيدي “الأبديين”، ويضرب سماء الروك آند رول بأحمر شفاهه، ويصنع الغلام روك.

بوّي يغني “لايف أون مارس” في جلاستونبري

مع مرور الوقت، لاحظ بوّي اختفاء كيانه تحت جلد “زيغي”، فقرر قتله. ترك الأبديين يأتون إلى الأرض ويمزقونه إربًا إربًا على المسرح ويحتلون الأرض، في انتحار دامٍ للروك آند روك.

“أنا كاتب القصص وراويها. وقد فضَّلت منذ البداية أن أصنع/أمثِّل الشخصيات التي أكتبها على أن أؤديها بنفسي، صحيح أنني أؤديها بنفسي الآن، ولكني في المستقبل حين أنتهي مما أود تحقيقه الآن، سأعود لكتابة القصص، وتمثيلها مرة أخرى، لا يهمني ما يقوله أي شخص، أنا أحب ما أفعل، وهذا هو ما سأستمر في القيام به” -ديفيد بوي، حواره مع ديك كافيت، 1974.

بوّي من جلسة تصوير غلاف ألبوم آلادن ساين – Brian Duffy

مهَّد بوُّي تحوّله إلى شخصية أخرى بـ”آلادن ساين”، وبرقه اللامع، ليظل توثيقًا لغواية الكوكايين وصخب الحياة الأمريكية تحت ضغط الجولات وجلسات التسجيل.

خلال ذلك اكتشف بوُّي أن كل مكاسبه من مبيعات جولاته ذهبت دون علمه لسداد ديون شركة إدارة أعماله، “ماين مان”. عند هذه النقطة لم يملك بوُّي ما يكفي من المال لأي شيء، خسر كل ما يملك، وانجرف إلى تيارٍ من تدمير الذات والإدمان بحثًا عن الرب دون حتى أن يدري، كان وحيدًا تمامًا، منعزلاً كما كان دومًا، وضاعف تدهور علاقته بزوجته “آنجي” آنذاك ومحاولاتها للتحكم في مساره الفني، رغبته في النزوح بعيدًا عن زواجهم المفتوح.

اعتقد أن الكوكايين طريقه للوصول إلى معرفة أوسع وأعمق، وعوضًا عن الوصول إلى الرب، انحرفت خطاه وقادته إلى المعادل الأكثر سوداوية لـلـ”أوبرمنيش” عند نيتشه.

تلاشى كيان بوي تدريجيًّا مع تزايد تعاطيه الكوكايين، وتحت أقدام “الدوق الأبيض النحيف”، فقد بوُّي عقله وجسده في آنٍ واحد، ذاب الخط الفاصل بين وعي بوُّي والدوق، حتى ظهر المسخ الكامل.

فقد وزنه حتى شحب جلده وأبيَّض بشكلٍ جعله يبدو فعلاً، دون مكياج، كفضائي وصل إلى الأرض لتوه.

الدوق النحيف الأبيض – Andrew Kent

اسودَّت عيناه بالضياع والشرود، وحين تجلى على المسرح، تضخَّم صوته، لمع وتوهج، نيورومانسيًّا متحجرًا، يحطم قلوب المحبين، ويرمي الزهر في أعينهم بلا رحمة، من التاج إلى الملكوت، تحطم هو وتحققت أسوأ مخاوفه بأن انفصم تمامًا عن نفسه ، وتعاظم هلعه إلى پارانويا دائمة، انغمس في السحر الأسود في محاولةٍ لحماية ما تبقى منه من أخطارٍ لا يراها غيره.

خرج إلى الإعلام مؤيدًا للفاشية واليمين، ومدح هتلر، وصفه بأول نجم روك في التاريخ. كان ألبومه العاشر “ستيشن تو ستيشن ” (Station to Station) ابنًا لهذه الفوضى التي لم يتذكر منها شيئًا لاحقًا، في حين يكاد كل شيء يتهاوى حوله.

زيجي يغني لمحبيه انتحار الروك آند رول في آخر حفلاته، “سأعبر معك عبر الألم”

ثمة إدراك ظهر بعيدًا واقترب، نَزَع حس العدمية من قلبه، تذّكر “زيجي ستارداست”، حين غنى للمرة الأخيرة رسالة وداعه على مسرح هامرسميث أوديون بلندن وقال:

لا يا عزيزي، أنت لست وحيدًا
تراقب نفسك، ولكنك قاسٍ جدًّا
تركت عقلك للغيوم
(…)
أيًّا كان ما كان أو ما كنت
متى كنت أو أينما رأيت
مزقت السكاكين عقلك
أنا قد نلت حظي منها
سأعبر معك عبر الألم
أنت لست وحيدًا
أعطني يدك
كم أنت بديع.

تذكر حياته السابقة وبكى، آمن بأنه ليس وحيدًا وأنه لربما كان عليه أن يرحل بعيدًا ويبدأ من جديد.

التحف بما تبقى من ذاته وهرب بعيدًا مع صديقه براين إينو إلى غرب برلين، تاركًا “الدوق النحيف الأبيض” سجين ذلك الركن البعيد القارس من عقله، نجا وقتما توقع الجميع نهايته المحققة.


من اليسار: براين إينو، ديڤيد بوّي، روبرت فريپ، خلال تسجيل هيروز، ستديو هانسا، برلين 1977 – الصورة: كرستيان سايمونپايتري

كان رحيل بوُّي إلى برلين عام 1976 وإطلاقه الثلاثية الشهيرة (لوو، هيروز، لودجر) مع براين إينو، وروبرت فريپ (مؤسس كينج كرمسون) وتوني فسكونتي أحد أهم التحولات الجذرية في مساره، حيث تعافى من الإدمان، واستعاد نفسه، وتبرأ تمامًا من آراء الدوق المُدمِرة وتأثيره، وعندها صار لديه ارتياح لئلا يتمسَّك بالغناء عبر شخوص مسرحية كاملة، بل يكتفي بتقديم شخصيات متعددة ومحدودة التأثير في قوالب مصوَّرة، ويبقى هو ديفيد بوُّي على المسرح بلا أقنعة.

سمحت تجربة برلين لبوّي أن يعيد تشكيل لغته الموسيقية عبر مساحات تجريبية أكثر طليعية من أي شيء جربه بالسابق، أراد أن يتحدى توقعاته وكان الموسيقي براين إينو وقتها يستهل تجاربه الرائدة مع ما نعرفه نحن الآن بالموسيقى الإلكترونية، بعد أن رحل عن فرقة الغلام والآرت روك، روكسي ميوزك.

ورغم أن ديفيد بوُّي تعوَّد تجاوز شخوصه الحيَّة سريعًا عند إتمامها فنيًا، لم تنته قصته مع الدوق النحيف مثل البقية. كان حقيقيًّا أكثر مما يجب.

في الأول من أغسطس/ آب، أطلقت شركة RCA Records  “آشز تو آشز”، أول أغنية فردية من ألبومه سكايري مونسترز (آند سوپر كريپز) وهو الإصدار الأول لبوُّي بعد ثلاثية برلين والأخير مع شركة الإنتاج، شهِد الفيديو المصوَّر استمرار التعاون مع المخرج ديفيد ماليت[1]، وأول مشاركة لبوَّي كمخرج.

من الرماد إلى الرماد، المهرج الحزين أول شخوص بوّي بعد الدوق الأبيض النحيف

يظهر بوُّي في الفيديو بتجسَّده الجديد، المهرج الحزين پييرو، يكسر الحائط الرابع في مطلع الأغنية بسؤال للمُشاهد ولذاته: “هل تذكرون رجلاً كان/ بذاتِ أغنيةٍ قديمةٍ” ممسكًا بمرآةٍ صغيرة يظهر خلالها ديفيد بوُّي نفسه متعجبًا: يا إلهي، لا تقل! فيرد پييرو ويحدثنا عن تلك الرسالة التي وصلت إلى مركز مراقبة البعثة، من “ماجور طوم”، ذلك الصديق القديم الذي لازم بوُّي في بداية مسيرته.

لكن بوُّي لا يحاول رثاءه بعد أن ضاع في الفضاء، بل يشرح عند منتصف الأغنية أن “طوم” كان مدمنًا وجبانًا ارتعد هربًا إلى أمل في اللا معلوم، يعلِّق بوُّي على ذاته القديمة، يسخر منها وينزع عنها قداستها ثم يتمرد عليها بنحوٍ لا يضاهيه فيه أحد.

في الجزء الثاني من الأغنية، يظهر “الدوق النحيف الأبيض” من خلال مرآة “پييرو”، وقد حُبس في مكانٍ مظلم وبعيد، في اللقطة التالية يقف الدوق مُوصدًا بين بداخل قلب ديفيد بوُّي نفسه، ما يفسر عدم قتل بوُّي له.

لاڤ إز لوست، حيث يروي بوّي إلى شبابه ووحدته

في ألبوم عودته “ذ نكست داي” عام 2013، أخرج بوُّي وصوَّر بنفسه فيديو ريمكس جايمز ميرفي لأغنية “لاف إز لوست”، الذي تضمَّن التيمة الأساسية من أغنية “آشز تو آشز” كلازمة متكررة.

في الفيديو يظهر “الدوق الأبيض النحيف” على هيئة ماريونيت خشبي يراقب المهرج پييرو الذي يظهر على هيئة دمية قطنية لا تستطيع الحركة، وديفيد بوُّي نفسه يقف في الحمام ليغسل يده من آثام الدوق ويراقب المشهد عن بُعد.

الدوق النحيف يقتل پييرو

يلاحق الدوق المهرج الحزين ويقتله، ثم يصرخ محدثًا ذاته: ماذا فعلت؟ ويترك ديفيد بوُّي الخيط. يقتل الدوق المهرج انتقامًا لحبسه في أغنية “آشز تو آشز”، وينسحب بوّي تمامًا.

هدية الوداع


غلاف ألبوم بلاكستار، حيث لا صورة لبوُّي، فقط نجمة سوداء كدليل التجسُّد، واسمه “bowie” مكتوبة بالنجوم أدناها – تصميم جوناثن بارنبروك

علم بوُّي أنّ فصله الأخير قد حلّ، رغم استمرار علاجه لأشهر، كان قلقه حيال إرثه الموسيقي قد ظهر، بدأ ينظر إلى كل تلك الحيوات التي عاشها، كل التجارب، كل نجاح، كل سمات الألوهية الفنية التي حققها هو دون غيره، لم يكن له منافس أو منازع على فنه أو مكانته.

على مدار 5 عقود ونصف، لم يرد يومًا الاعتراف بما حققه، وظل يومًا بعد يوم يضرب السماوات لما هو أبعد، ظلت طاقته على الخلق والإبداع حيَّة، لا تنضب ولا تموت، مُجدِدًا نفسه ومتخطيًا ذواته، التي لطالما خلقها لتمنحه حرية الأداء على المسرح، وتسمح له أن يُمرر مشاعره ومخاوفه التي تعود دومًا على كبحها.

تجاوز النقاد ورغبتهم في تعطيله، تجاوز تطلعات الجمهور وتوقعاتهم منه أن يظل “زيجي”، تجاوز الحب وخيباته، والفن وذواته، عاش كل الحيوات، حقق كل شيء، مات آلاف المرات، مع موت أبيه، وانتحار أخيه تيري، ثم مقتل صديقه جون لينون، مات مع موت شخوصه واحدًا تلو الآخر وتجَدد وتجسَّد في عوالم موازية لا تنتهي.

أراد أن يكتب الفصل الأخير من حياته، كديڤيد بوُّي، متحديًا كل شيء، حتى المرض والموت.

أغنية دولار دايز، من ألبوم بلاكستار – حيث يتذكرنا بوّي بشبابه في نيويورك ويحكي لنا عن سباقه الأخير مع السماء

كان فنان متخطٍ لكل الوسائط، لم يهتم طوال مسيرته أن يكون مفهومًا، أو أن يقدم شرحًا لما يحاول تقديمه، كان يعلم أن هنالك من سيبذل وقته ويحاول أن يفهمه، لم يبال بالنجاح التجاري حتى إنه عندما حققه على مستوى جماهيري واسع بعد ألبوم “لاتس دانس”، خاف أن يُفقده ذلك قيمته الفنية الخالصة، لم يرد أن يقدم ما يريده المستمع، أراد أن يفرض فنه، من أجل الفن نفسه، لكن حاول قدر الإمكان تخفيف حِدة ما يقدمه بألا يطلقه في صورته الخام.

توقف ذلك التخفيف كليًّا عندما أدرك ديفيد بوي اقتراب الرحيل، أراد للمرة الأولى أن يُفَهَم، أن يصغي الناس إليه جيدًا، أن يتلقون رسالته الأخيرة بصدرٍ منبسط وأعين قادرة على البحث وراء الصورة الخام، الحادة، الصادمة.

بدأ بوُّي كتابة ألبومه الأخير والعمل مع صديقه المقرب ورفيق مسيرته، الموسيقي والمنتج، توني ڤسكونتي[1]. خلال المراحل الأولى من العمل، كان بوُّي يذهب إلى الإستديو فور انتهاء جلسات علاجه الكميائي، ليسجل وحده مع توني، متخفيًا تحت قبعته، يظهر من تحتها شاحبًا، وقد تساقط شعر رأسه وحاجبيه.

خلال تسجيل عينات الأولية للأغاني، أرادوا البُعد تمامًا عن الروك آند الرول، والوصول لصوت مُركب ومغاير تمامًا، فظلوا لأيامٍ يسمعون ألبوم “تو پيمپ آ باترفلاي” لـ”كندريك لامار”، وبعض إصدارات “دِث جريپس”. كان الميل نحو صوت مُكثف من الجازترونيكا، وعلى عكس ما اعتاد بوُّي مع فرقته الأصلية، أراد أن يجلب فرقة جاز خصوصًا للألبوم.

عرض على الموسيقية وقائدة الأوركسترا ماريا شنايدر الانضمام للعمل، بعد أن عملا معًا على نسخة عام 2014 من  أغنية سوو (أور ذ سيزن أوف كرايم)، فرشحَّت له الموسيقي وعازف الساكس، دوني ماكسلين وفرقته. ذهب بوُّي وتوني وماريا ليشاهدوا عرض الفرقة في “ذ فيفتي فايف بار”، بنيويورك، ليستقروا عليهم كفرقة ألبوم.

بدأ تسجيل بلاكستار في استديو “ذ ماجيك شوپ” بنيويورك في مطلع عام 2015، انقسم إلى 3 مراحل، وانتهى تمامًا في مايو/ أيار. خلال عملية التسجيل كانت الفرقة على علم بحالة بوُّي، لكن ذلك لم يؤثر في سلاسة الأمر، كان بوُّي هادئًا وقويًّا ومرحًا كعادته. بدا جاهزًا، علِم ما يريد فعله تمامًا، كان يمسك المايك وينطلق بثباتٍ دون إحماء أو تردد، يغني الأغنية على مرةٍ واحدة. لم ينظر خلفه أبدًا، ولم يجلس لينتظر.

لتصميم غلاف الألبوم، كان بوُّي يتعاون مع المصمم البريطاني جوناثن بارنبروك منذ ألبومه “هيثن” (2002)، وعلى عكس كل المرات السابقة، دعا بارنبروك إلى مكتبه بنيويورك ليسمعا الألبوم النهائي معًا ويتناقشا في الأفكار المحتملة للتصميم، ودار حديثهم حول الموت كتيمة عامة دون أن يُلاحظ مرض بوُّي الذي صار يجيد إخفاءه مع الوقت.

ظهر المقطع الأول من  أغنية “بلاكستار” للمرة الأولى في تتر بداية مسلسل “ذ لاست پانثرز” للمخرج يوهان رينك (مخرج مسلسلي تشرنوبل وبريكينج باد)، واتفق ديفيد مع رينك على إخراج الفيديو المصوَّر لها ليصدر منفردًا قبل إطلاق الألبوم.

بلاكستار – إخراج يوهان رينك

كان بوُّي يفكر بالطبع في موته كتب حين فكرة الفيديو، لكن إنتاجه يحمل عادة طبقاتٍ من معانيٍ مكثفة أبعد من المعنى الأساسي. في حالة بلاكستار، ينظر ديفيد بوي إلى مراحل تطور العقل البشري عند عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعية الأسكتلندي، جايمز فريزر، عصر السحر، عصر الدين، عصر العلم، وطبَّق عليهم نظرية العود الأبدي عند الفيلسوف الألماني فريديك نيتشه، بما يعني أن الثلاثة عصور حصلوا بالتوازي في نفس ذات الوقت وفي أماكن مختلفة، وستظل تحدث وتكرر في حركة دائرية للزمن، وستنتهي كل مرة إلى نفس النتيجة بلا وصول إلى فهم حقيقي للعالم.

من اليمين: بوّي في شخصية النبي المحتال (تريكستر)، وشخصية المُبشِّر، من تصوير فيديو بلاكستار – Jimmy King

حملت رسوم شخصيات فيديو بلاكستار التي صممها بوُّي وأعطاها لرينك شخصيتين يقدمهما بوُّي بنفسه أمام الكاميرا: النبي المحتال أو تريكستر بوتُن آيز، والمبُشر وشخصيتين أخريين ترمزان لبوُّي: رائد فضاء ميت، تتزين جمجمته بالحلي والأحجار (ماجور طوم) ورجل المآتة معصوب العينين على الصليب.

بووي وفريق عمل مسرحية لازوراس يوم انطلاقها، قبل شهر تمامًا من رحيله

يبدأ بلاكستار عند “ماجور طوم” ميتًا في بدلته على سطح المريخ، بلا أثرٍ حوله لأي حطام، ودخول فتاة فضائية بذيل فأر (إشارةً إلى أغنية لايف أون مارس)، تفتح غطاء رأسه، تبتسم وتأخذ جمجمته المزيَّنة وتذهب بها إلى حلقة من النساء اللاتي يؤدين طقوسًا حركية، تقف في المنتصف، تدخل فتاة أخرى الدائرة وتركع، وتوضع الجمجمة على مؤخرة رأسها.

ينتقل المشهد الثاني إلى عصر الدين، حيث أتباع يؤدون نفس الحركات بعنف أكبر، تعبُّدًا لإله رمزي غير موجود في الغرفة، هو النبي المحتال، أو الدوق النحيف، إشارةً إلى العمى الروحاني.

تبدأ الأغنية وتنتهي عند نفس المقطع، وتنتهي فصولها الثلاثة إلى نفس النهاية، “ماجور طوم” والنبي المحتال، والمُبشَّر، 3 رجال مآتة معصوبي العينين على الصلبان، 3 انعكاسات جوفاء لتصور العالم عن الإله بلا أعين ولا صوت.

أما المشهد الثالث فهو معادل بصري بارع لقصيدة “الخاوون” للشاعر البريطاني تي إس إليوت، حين قال:

فصوتنا يباب
بلا معانٍ نحن خامدون
كالريح تعوي في يابس الحقول والفجاج
أو أقدام جرذان فوق مهشم الزجاج
ونحن في قبونا السراب
شكل بلا جسد
ظل بلا ألوان
(…)
هذي هي الأرض الموات
هذي هي أرض الصبار
هنا صور الحجر عالية
تلتقى دعوات التوسل والرجاء
من أكف ميتة
تحت تلألؤ نجمة بالية

قبل تصوير أغنية “لازوراس” التي أخرجها يوهان رينك أيضًا، علم بوُّي أنه على أعتاب الرحيل بعد تأخر حالته وفشل محاولات العلاج. في الفيديو يصرخ بوُّي بلا صوتٍ على فراش موته، ويخرج “الدوق النحيف” من الدولاب، يقعد إلى المكتب بجانبه جمجمة “ماجور طوم”، ويبدأ الكتابةِ بهلع، في سباقه الأخير مع الموت، مُجسِدًا رغبة ديفيد بوُّي في كتابة نهاية تليق بإرثه الإلهي.

في الفصل الأخير، أخفى بوَّي مرضه عن الناس، حتى يذكره الناس بمجده، لا بمرضه، ضحى بنفسه رافضًا أن يمضي بخفَّةٍ في ذلك الصباح البديع.

لو لم أر تلك الخضرة الإنجليزية التي أركض إليها
فهذا كله لم يكن شيئًا
(…)
أنا أحاول
أنا أحتضر

 

الهوامش:

1-أحد أهم مخرجين الموسيقى المصورة أواخر السبعينات، بقائمة ضاربة تضم أسماء مثل كوين، تينا ترنر، پيتر جابرييل، ذ رولينج ستونز، جون جيت، بيلي آيدول، ديف ليپارد، آيرون مادين، سكورپيونز.

2  – موسيقي ومنتج أمريكي طليعي، وأحد أهم رواد الغِلام روك في أواخر ستينات وسبعينات القرن الماضي، أنتج ألبومات
للعديدٍ من الأسماء: تي ريكس، ذ موودي بلوز، پول مكارتني، موريسي. وهو أيضًا صاحب أطول تاريخ تعاون فني مع ديفيد بوِّي، عملا معًا ما يزيد على 25 عامًا على مدار مسيرة بوُّي، أي نصفها، بدايةً من سپايس أويدتي، وهونكي دوري وذ مان هو سولد ذ وورلد، مرورًا بثلاثية برلين، وسكايري مونسترز، ثم انقطع التعاون ما يقارب 22 عامًا، ليعود عام 2002 في ألبوم هيثن، ويستمر حتى النهاية.

 

 

رفيق محفوظ

كاتب وصحفي موسيقي مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى