"زمنُ التيِه"
خاص| أول قيادية نسائية "إسلامية" في المغرب تبُوح بـ"أسرارها"

من أكون؟

«لست سوى امرأة مغربية مسكونة بالقلق، وأنا على أعتاب العقد الخامس من عمري، اخترت أن أجعل قلقي مشاعًا للجميع، قد يكون فرصة لبعضهم لرشقي بالحجارة خصوصًا بعد أن أواصل رحلة البوح، لكن أنا متأكدة أن قلقي هو قلق جيلين لذا أغلب القراء سيجدون فيه بعضًا منهم».

مريم التيجي، أديبة وروائية مغربية، كانت إحدى هؤلاء اللاتي استقطبتهم الجماعات الإسلامية في ثمانينيات القرن الماضي وتصعدت في تنظيماتها النسائية لمناصب قيادية عليا، وعاصرتها من «السرية» إلى «العلانية». واليوم قررت الخروج عن صمتها والبوح بما لديها من أسرار وحكايات عن تجربتها التي تجاوزت 10 سنوات في ظُلمات الجماعات الإسلامية.

ما زالت قصص الإسلاميين وأسرارهم كثيرة، والوقوف على تجاربهم ومخططاتهم وتغير أيديولوجياتهم عبر السنوات تحتاج مزيداً من البحث والتنقيب المستمر للوصول إلى قراءة وافية لما كان يدور في عقولهم، فهي أشبه بـ«خزائن مُغلقة»، تنكشف محتوياتها عندما يقرر أحد «البوح» بأسرار ظلت لسنوات مخفية، ليصل بنا إلى تفسير منطقي مبنىّ على معلومات ووقائع تحمل معها شرحًا لما أحدثه هؤلاء بمجتمعاتنا من تلويث للفكر واستغلال للدين وتوظيفه، وما صدروه إلى العالم وشوهوا به الإسلام وإلصاقه بالتطرف، فضلا عن السير في ركب السياسة وصولا إلى مناصب عليا وإحكام السيطرة على المجتمعات.

«مريم التيجي» ترى اليوم أن كشف وقائع وكواليس السنوات التي أمضتها بين صفوف الجماعات الإسلامية، له أهمية كبرى وانعكاسات على وضعهم الراهن، وهو ما يمكن قراءته من تتبع آليات استقطاب الإسلاميين للرجال والشباب والنساء وطلاب المدارس والجامعات، وكيف صوروا لهم مجتمعهم الخاص الذي يرى الدولة ونظامها في «جاهلية» تامة، هنا أيضا يبرز مغزيين رئيسيين الأول موضوعى، والثاني ذاتى.

قبل سبعينيات القرن الماضي، كانت الأوضاع في المغرب مستقرة، والحديث في السياسة حينها كان مُستبعداً بل ومحظوراً، ولم لا والمجال الديني بالمملكة محفوظ لـ«أمير المؤمنين» فقط!، بينما خلت الساحة من أى تنظيمات أو جماعات تتستر بعباءة الدين أو تتخذ من الإسلام اسمًا، إلا أن تصارع الأحداث خارجيًا وداخليًا آنذاك. هذه الأجواء في مطلع تلك العشرية عجلت بظهور الإسلاميين وأفكارهم «الثورية».

ورويدًا رويدًا بدأت تتشكل طلائع الإسلاميين بنهجهم «الثوري السري» الذي تأثر بالأحداث الداخلية من نمو نفوذ «التيار اليساري الشيوعي» على الساحة، فضلًا عن الأوضاع الخارجية المحيطة، فاشتدت عملية الاستقطاب للرجال والنساء والطلاب لاسيما من قبل هؤلاء الذين تأثروا بفكر جماعة الإخوان المسلمين في مصر ومؤسسها حسن البنا، وبكتابات سيد قطب، مُنظر الجماعة.

وعلى خطى الإخوان في تحركهم سرًا داخل مصر، بدأت مجموعات شبابية متشبعة بالفكر الإسلامي في المغرب تتحرك سرًا في أوائل السبعينيات من القرن الماضي، بعضهم استمر لعدة سنوات يعمل في الخفاء، وبعضهم سارع في إعلان موقفه من السلطة ورفضها علنًا بل وطالب بالانقلاب عليها، ونتيجة لهذا وذاك تأسست جماعات عدة كان أولها «الشبيبة الإسلامية»، كما ظهرت أيضًا «العدل والإحسان» و«التبين»، و«جمعية الجماعة الإسلامية» التي تحولت بعد ذلك إلى «التجديد والإصلاح» الذراع الدعوي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في المغرب اليوم.

الاستقطاب سراً.. والتنشئة على تجربة «إخوان مصر»

لم يُدرك الطلاب والطالبات -آنذاك- أن في حفاظهم على دروس العلم التي عُرفت بـ«الجلسات التربوية» طريقًا يؤدي بهم إلى الانضمام لجماعات سرية، وأن حلقات حفظ القرآن والعلوم الشرعية هي نفسها حلقات جماعات «إسلامية سرية ثورية» ترى المجتمع «جاهلاً»، وتصور لهم تلك العزلة بأنها «الأمل في إحياء الدين وإنقاذه من براثن الفتن المنتشرة بالمحيط الخارجي».

عام 1984، وجدت «مريم التيجي» الطالبة بالمرحلة الإعدادية- وقتئذ- نفسها في قلب تلك «الجلسات التربوية» بدعوة من أخريات كن يُروِجن لتعلم العلوم الشرعية وحفظ القرآن والتفقه في الدين، إلا أن تلك الجلسات توسعت لتشمل ماهو أكبر من ذلك، فظاهرها علوم الدين وباطنها الاتجاه نحو المجتمعات الإسلامية الخاصة التي تكفّر المجتمع الذي يعيشون فيه.

تحكي «مريم التيجي» عن تلك الجلسات قائلة: «تشكلت حلقة تضم 5 فتيات متقاربات في السن، كان اللقاء الأول غريبًا ومرتبكًا لأننا لم نكن نعرف بعضنا، وطُلب منا أن نكون ابتداء من تلك اللحظة (أسرة واحدة)، كان يجب ألا نتواصل مع أحد خارج هذه الحلقة الصغيرة، وكان علينا طرح كل اسئلتنا ولجوئنا في كل شيء لقائدتنا، تعلمت في هذه التجربة الانضباط فقد ظللنا لسنوات نلتقي أسبوعيًا في بيت (الأخت المربية)، ونادرًا ما كنا نجتمع في بيت آخر».

«سرية تامة» فُرضت على وقائع تلك الجلسات وما كان يدور بها، إذ لم يكن أحد يجرؤ على التطرق لما يدور فيها مع الآخرين حتى أقرب الأقربين، وتضيف «التيجي»: «كانت التعليمات التي نتلقاها من الأخت المربية صارمة، بأن لا نخبر أحدًا بهذا اللقاء الأسبوعي، حتى أفراد أُسرنا لا يجب أن يعلموا بوجهتنا، وكان ممنوع علينا أن نصل إلى البيت الذي تُقام فيه الجلسة مُجتمعات، بل كانت تصل كل واحدة منا بمفردها، وتدخل دون أن تثير الانتباه إليها، ودون أن تطرق الباب الذي يكون عادة مُوارباً، وفي بعض الأحيان كانت بعض الفتيات يتنكرن، وكانت السرية المُطلقة تحيط بحركاتنا وسكناتنا، وكان ممنوعًا علينا التحدث مع أى شخص مهما كان قريبًا عن تلك اللقاءات، حتى أننا لم نكن نعرف أحدًا من أفراد حلقات أخرى كانت تُقام في نفس البيت لكن في يوم آخر».

لم تفهم الفتيات مغزى كل هذه التحذيرات المشددة، ولا أهمية هذه السرية حول موضوعات يراها الجميع عادية، وكانت الإجابة عن تلك تساؤلات من هذا النوع نصُها: «إننا نطبق السنة النبوية في الدعوة، فقد بدأت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام سرية في دار الأرقم بن أبي الأرقم، وعندما تقوت شوكة المسلمين خرجت إلى العلن، واقتداءً بالرسول، كان علينا أن نتلقى تربية دينية صحيحة في دوائر سرية مغلقة إلى نُصبح قادرات على الخروج إلى العلن ودعوة الناس إلى الإسلام الصحيح».

وتتابع «مريم التيجي» قائلة: «في مرحلة متأخرة من انخراطنا في تلك البيئة السرية بدأنا نعترض على الاقتصار في تفسير القرآن على (ابن كثير)، وبدأنا ننزعج من قدر القصص الكبير والتفاصيل الواردة في هذا التفسير، حتى أصبح هناك اعتمادا كليا في تفسير سور القرآن وآياته على كتاب (في ظلال القرآن) لسيد قطب مُنظر جماعة الاخوان، وتمدد فضولنا مع توالي الأسابيع حتى صرنا نقرأ أسبوعيًا مجلة (العالم) الإيرانية التي كانت سياسية مائة بالمائة، ونتبادل مجلتى (الأمة والوعي الإسلامي)».

وتكمل «صاحبة المذكرات» حديثها عن تلك الحالة السرية الغامضة: «كنت مراهقة تنشد التميز عن محيط (جاهل)، لذا بالغت في الالتزام بكل التعاليم، وبمجرد الخروج من البيت الذي كانت تُلقى فيه الموعظة أو الدرس الأسبوعي، كنت أشرع في تطبيق ما تعلمت، وكلما اقتربت من هذا المجتمع الجديد تطورت مشاعري تجاه (المجتمع الجاهلي)، ففي كل درس كنا نتعلم أن سبب تخلف المسلمين هو بُعدهم عن الإسلام الحقيقي، وأن العالم يسير إلى الفناء بسبب فساد المجتمعات، وأن الله يغفر الذنوب جميعًا ولا يغفر أن يُشرَكَ به، والشرك ليس هو عبادة الأصنام، لكنه زيارة الأولياء والأضرحة والمواسم التي كانت سائدة جدًا وقتها، وكانت شكلًا من أشكال التدين عند الناس».

الأدهى من ذلك أن الإسلاميين صوروا لضحاياهم «المُستَقطبين» أنهم «المختارون من الله»، وأنهم «النور» في مجتمع شاع فيه الظلم والطغيان، طغيان الحاكم ورعيته الفاسدة، وتقول «مريم التيجي»: «كنا نتخيل أننا نعيد كتابة التاريخ، وأننا نحن المهاجرون في زمن الرسالة الأولى، وما نتعرض له هو ابتلاء، سيتلوه نصر عظيم يصل إشعاعه الى أقصى ربوع الأرض، لذا بدأنا فى عقد جلسات سرية، نتحدث فيها عن المراحل اللاحقة للدعوة، والتي ستنتهي بزمن الخلافة، وظهور الخليفة العادل، الذي سيحكم العالم، ويرفع هامات المسلمين».

تجربة الإخوان في مصر كانت مُلهمة لإسلاميي المغرب، ووجدوا في كُتب «حسن البنا» و«سيد قطب» وصراع الجماعة مع الرئيس جمال عبدالناصر، ضالتهم ومنهجهم في التعامل مع رأس السلطة ببلدهم، وهو الملك الحسن الثاني (1961ـــ 1999) وتقول «مريم التيجي»: «لكي يترسخ في أذهاننا أننا جزء من حرب مقدسة، طليعتها المؤمنون في مواجهة قوى الظلم، تواصلنا بعشرات الكتب والروايات التي تدخل فيما يسمى بـ(أدب المحنة)، وقرأنا كل كتب سيد قطب وزينب الغزالي وروايات نجيب الكيلاني، وتابعنا أوضاع الإخوان في زمن الرئيس (عبد الناصر)، واطلعنا عليها بكل التفاصيل، ومنحتنا شحنة عاطفية سلبية رهيبة تجاه كل ما هو رسمي، وصرنا نسقط كل ما قرأناه عن مصر على المغرب، وبات جمال عبد الناصر يمثل في أذهاننا (الحسن الثاني)، والسجانون يقابلهم لدينا كل من يلبس زياً رسمياً أو ينتمي إلى المخزن»، والمقصود بـ«المخزن» النخبة الحاكمة في المغرب.

أسهمت كل هذه الروافد في التنشئة الفكرية، حتى تسربت أفكار «الإسلاميين» إلى المجتمع حتى حكمت علاقة أعضاء هذا المجتمع الخاص بأسرهم، وأصبح الأمر جد خطير ووصل إلى حد «التكفير»: «صدقنا أننا نحن القابضون على الجمر الذين تنبأ بهم الرسول في أحد الأحاديث، ومن لم يتعرض لأي محنة، ولم تضايقه أسرته، ولم يطرد من عمله أو من دراسته بسبب مظهره الجديد، كان يتمنى أن يحدث معه شيء من ذلك، وامتدت تلك الشحنة العاطفية إلى العلاقات الأسرية أحيانًا، فقد سمعت حكايات بعض (الأخوة والأخوات) الذين تعرضوا لمضايقات من طرف أسرهم بسبب التزامهم وكم كان سهلًا علينا أن نتصور أن هؤلاء الأخوة والأخوات، هم ياسر بن عمار ومصعب بن عمير، وخباب بن الأرت، وأم حبيبة، وأم سلمة، وفي المقابل، فإن آباءهم وإخوانهم وكل من يقف على الضفة الأخرى، يمثلون أبى لهب وأبى جهل وغيرهم من الكفار، وأنشأ هذا الجفاء دائرة صغيرة صارت تكبر يوماً بعد يوم، بيننا وبين المجتمع الذي صرنا نُسميه في مجالسنا وبقناعة تامة بـ(المجتمع الجاهلي)».

خبايا جماعة «التبين».. وظهور «المروري»

وسط هذا «التيه، لم تكن «مريم التيجي» تعلم أنها تنتمي لجماعة «التبين»، ومنذ اللحظة الأولى لاستقطابها وطوال مرحلة التعليم الإعدادي حتى بداية التحاقها بـ«ثانوية عبدالكريم الخطابي» في حي «القامرة» بالرباط، لم تعرف سوى مربيتها وأقرانها و«جلسات تربوية» اعتادت عليها، إلى أن التقت رجلًا برفقة مُربيتها علمت بعدها بسنوات أنه «عبدالرزاق المروري»- (مؤسس جماعة التبين، وأحد مؤسسي التوحيد والإصلاح، ولد في 1956 وتوفي في 1996).

تقول «مريم التيجي»: «زارتني مربيتي، لم تُطل البقاء وطلبت مني أن أرافقها لمكان ما خارج بيتها، وأكدت ضرورة تنكري في ملابس تقليدية حتى لا أبدو فتاة مُحجّبة، كانت أغرب رحلة على الإطلاق، ورغم أن المكان الذي قصدناه ما كان لنا أن نقضي أكثر من عشر دقائق لنصل إليه لكننا قطعنا مسافات طويلة ودائرية مشياً على الأقدام، وكنا ندور في نفس الحي أحياناً، وفهمت أن المطلوب هو أن نتوه بما يكفي كى لا نستطيع العودة إلى المكان المقصود مرة أخرى، وأخيراً وصلنا إلى البيت، في حي المسيرة- (حي شعبي في الرباط)- وكانت المفاجأة الأولى أن مُحدثنا رجلاً لم نر وجهه لأنه كان محتجباً وراء ستار، وبعد ذلك بسنوات عرفت أنه كان (عبد الرزاق المروري) ولم ينتظر أن نطرح عليه أسئلة، بل بدأ مباشرة في عرض تاريخي متسلسل للأحداث يبدأ بنشأة أول تنظيم إسلامي في المغرب من رحم اليسار، وينتهي عند تأسيس التنظيم الذي عرفنا وقتها لأول مرة أننا ننتمي إليه».

وتتذكر «مريم التيجي» باقى تفاصيل تلك الليلة قائلة: «كان اللقاء أكبر من سني، لكنه ساهم في إنضاجي بسرعة. سمعت خلاله قائمة طويلة من الأسماء والمصطلحات لأول مرة: عبد الكريم مطيع، والنعماني، والقيادة السداسية، وعبد الإله بنكيران، والشبيبة الإسلامية، والمجاهد، وعمر بنجلون، كما حدثنا (المروري) عن الحركة الإصلاحية الوطنية، والهجمة التغريبية، وبعد المجتمع عن الدين».

ومما قاله (المروري) في تلك الجلسة أن «مؤسسة جماعة (الشبيبة الإسلامية) عبد الكريم مطيع، اتُّهِم زورًا باغتيال عمر بنجلون أحد قيادات اليسار آنذاك، وهذه (مؤامرة) تسببت في هروب قيادة الشبيبة الإسلامية خارج المغرب».

قبل عام 1979، كانت «جماعة التبين» مجرد «موقف»، وسرعان ما انتشرت الفكرة وصار لها مؤيدون في كل من مدن الرباط ولاس والبيضاء، وابن أحمد، وأسفي- (مدينة مغربية ساحلية عل المحيط الأطلطني)- وتحولت الفكرة إلى عمل تنظيمي، فاتفق مؤيدوها على أن يكون عبدالرزاق المروري- الذي لم يسبق له الانضمام لأى تنظيم آنذاك- مسؤولًا عنها.


اعتقد «المروري» حينها أن «التبين» محطة عابرة في مسار الحركة الإسلامية، وأن إنشاءها فرضته ضرورة الاستمرار في العمل الإسلامي، وربطته حينها علاقات قوية بـ«صالح أبو رقيق»- (من الرعيل الأول لجماعة الإخوان بمصر، وعضو مكتب الإرشاد)- الذي ساهم بشكل كبير في توصيل الجماعة بالعالم الخارجي، كما تعرف على «راشد الغنوشي»- (مؤسس حركة النهضة التونسية)- وقيادات الحركة الإسلامية في السودان.

مجتمع الإسلاميين .. تجنب عقلك واتبعنا

اختلف مجتمع «التبين» الخاص- كما تسرد «مريم التيجي» في مذكراتها- عن المجتمع العام الذي عاش فيه أغلب المغاربة- آنذاك- فقد كان له طقوسه وأشكاله وهيئته الخاصة، ولم لا وقد تطلب من كل سكانه التسليم بكل ما يُقال لهم وإلغاء عقولهم خشية الوقوع في الشبهات! فتقول عنه: «اقتنعت مع توالي الجلسات التربوية، بأن إيماني لا يكتمل دون التسليم الكامل بكل ما يروى عن الرسول وصحابته، ودون الابتعاد ما أمكن عن الشبهات، وأن الشيطان يتسلل إلى عقولنا من شبهة (استخدام العقل)، وظلت الهوة تتسع بيني وبين محيطي الاجتماعي الأصلي، في بواكير مراهقتي، بعد أن استبدلت به مجتمعاً (فاضلاً) تغيرت فيه كل القيم القديمة، والحياة (الجاهلية) ولبست ملابس كنت أراها نورانية».

وعدّدت «مريم التيجي» مظاهر تحول العادات الاجتماعية إلى مظاهر إسلامية شكلية متأثرة بهوس (الحرام والحلال)، وتقول: «تحول سُبوع المولود الجديد، إلى (عقيقة إسلامية)، واستُبدلت مظاهر الفرح بأُمسية يُلقى فيها درس ديني، مع الدعاء للوالدين وللمولود، وتحولت الأعراس الشعبية إلى حفلات إسلامية لا يغيب عنها الدرس الديني، والجنائز الصاخبة باتت بكاء صامت لا يجوز أن يعلن عن نفسه، مع حضور طاغ للمواعظ الدينية».

تعالت نبرة التحريم في المجتمع، في بدايات ما عُرف بـ«الالتزام الديني»- كما تقول «مريم التيجي»-، وكان الشعور بالاضطهاد ومطاردة العالم وتوهم إبعاد الآخرين لهم عن دينهم طاغيًا إلى حد الجنون، وتضيف: «في إحدى المرات، كنا في بيت إحدى الأخوات، وكانت الساعات الصينية التي تُصدر رنات موسيقية على رأس كل ساعة، منتشرة في كل البيوت تقريبًا في ذلك الوقت، وعندما صدرت موسيقى مرحة، من الساعة المعلقة على الحائط، نبهتنا الأخت المشرفة على تربيتنا إلى أن (أعداء الإسلام) اخترقوا البيوت، وزرعوا الموسيقى في كل مكان، وجعلوا المسلمين يستمعون لها على مدار الساعة، رغم تحريم الله لها»

إلى ذلك طفت الأوهام على السطح وسيطرت على العقول، وهو ما تكشفه «مريم» قائلة: «كان الحرص شديدًا على التشبه بالصحابة في الملابس وأثاث البيوت وفي لغتهم وألقابهم، في بعض جلساتنا، كنا نتخيل كيف سيفيض المال على خزائن الدولة التي ستصبح (أرض خلافة)، وكيف سيطوف موظفون ويطرقون البيوت لتوزيع الزكاة فلا يجدون محتاجاً، تماماً كما حصل في عهد عمر بن عبد العزيز».


وتكمل الأديبة والروائية المغربية: «في هذا المجتمع صار العالم يتدرج من الأبيض والأسود، فالأبيض هو (نحن) المسلمون، خير أمة أُخرجت للناس، والأسود هو الآخر الكافر والمختلف والمتربص بهذه الأمة منذ الأزل، وبين الأبيض والأسود، منطقة رمادية يحتلها أبناء المسلمين البعيدين عن دينهم، دون أن نشعر، كنا كلما تقوقعنا في تلك الحلقات السرية المحدودة العدد، كلما ابتعدنا عن المجتمع، وعن المحيطين بنا شيئًا فشيئًا، فقد كانت قناعاتنا تتشكل بعيدًا عن أسرنا التي لم تكن في الغالب تهتم لذلك، وكانت دائرة الحرام والممنوعات تتسع، فكان الاستماع للموسيقى والغناء حرام، والحديث مع الرجال أشد حرمة، حتى لو كانوا من الأقارب، وكان ارتداء ملابس ملونة يضع الواحدة منا في حرج لا يحتمل أمام الأخريات، كانت ألوان ملابسنا محصورة في الأبيض والأسود والرمادي والبني».

كان لزاماً على «الأخت مريم» في ذلك الوقت أن تتأثر بما يُشحَن به عقلها ومشاعرها: «استبدلت بأسرتي أخوات الجلسة، واستبدلت بقراءتي للصحف الوطنيةّ قراءة مجلة (العالم) الإيرانية، التي كنت ألتهمها من الغلاف إلى الغلاف حال وصولها مرة كل أسبوع، وبالتلفزة والإذاعة الوطنيتين، إذاعة صوت العرب وإذاعة لندن، وكانت المناسبات الدينية علامات فارقة نمارس خلالها تميزنا، باعتبارنا (أهل حق)، وكنت مقتنعة أن الدين الكامل والصحيح لا يمكن أن يكون إلا في السعودية، لذا صُمت رمضان سنوات بعد ذلك قبل صيام بقية المغاربة بيوم واحد، واحتفلت بالعيد قبلهم، في سرية كاملة، كان يوم عيدنا هو يوم صيام عند بقية الناس، لذا كنا نتبادل الزيارات السرية فيما بيننا في ذلك اليوم، وكنت أفضل أن أزور صديقة كان كل أفراد أسرتها يصومون مع السعودية.. ومرت السنوات، ومثلما كانت جلساتنا التربوية تتطور، من مرحلة الاكتفاء بحفظ القرآن، وحفظ الأحاديث، وقراءة كتب السيرة، ومناقب الصحابة وكتاب منهاج المسلم، إلى مرحلة أخرى ظل فيها هذا البرنامج ثابتًا، وأضيفت إليه قراءات في السياسة، ومتابعة أحوال المسلمين في العالم».

مريم التيجي

بمشاركة


جرافيك ورسوم: أحمد بيكا

فيديوجرافيك: طه حسين

قصة


محمود الطباخ



العودة للصفحة الرئيسية