" جَعَلُوني جاسوسة"
خاص| الحلقة الثانية من مذكرات مريم التيجي

◄ "فاعلات الخير" وصلن لكل الخلايا السرية لاستقطاب الصغيرات

◄ الملك الحسن الثاني كان "طاغوتًا" في نظر أتباع عبدالسلام ياسين

◄ "العدل والإحسان" كانت ترى جميع الإسلاميين "عملاء وجواسيس"

◄ كان العداء شديدًا تجاه جماعة "بنكيران" واعتبروها تنظيم بوليسي

◄ شجعوا الفتيات على "تفسير الأحلام" واعتبروا تأويلاتها "كرامات"



"تملكني الخوف الذي تحول إلى صمت مطبق، وعدت إلى بيتنا والعواصف تعبث بعقلي، لكن عملية التخويف والشحن استمرت لأيام، وعرفت فيما بعد أن جلستنا لم تكن هي المستهدفة الوحيدة بهذا الزلزال، حيث إن أيدي (فاعلات الخير) وصلت لكل الخلايا السرية في المدينة، وركزت نشاطها على الفتيات الصغيرات، لاستقطابهن لتنظيم آخر كان يتوسع بشكل علني بسرعة في أوساط المتدينين".

في الحلقة الأولى من مذكرات مريم التيجي- أول قيادية نسائية إسلامية في المغرب تبوح بأسرار تجربتها- ذكرت أن مرحلة الاستقطاب كانت على أشدها داخل الجماعات الإسلامية "السرية"- آنذاك- ولم يكن الرجال والنساء والسيدات وطلاب الجامعات يدركون أن دروس العلم واللقاءات التربوية التي كانوا يترجلون إليها متلهفين لحضورها، هي نفسها اجتماعات لتنظيمات إسلامية ثورية ترى مجتمعهم وأصدقاءهم وأسرهم "جهلاء" منحرفين عن الدين وتعاليمه السليمة.



← صدمتي في التنظيم: «سرى ومُسلح»

انتهت "التيجي" من مرحلتها الدراسية الإعدادية - في ذلك الوقت- وهي على أعتاب سنتها الأولى بالمرحلة الثانوية في مدرسة "عبدالكريم الخطابي" في "القامرة"- حي سكني بالعاصمة المغربية الرباط-، لم تكن المرحلة الدراسية هي الجديدة فقط، بل كان المحيط الاجتماعي جديدًا أيضًا عليها، ففي الوقت الذي تتلقى فيه تعليمات بعدم الحديث عن جلساتها السرية مع أي شخص، كان هناك آخريات يتحدثن عنها في العلن دون خوف "كُن أكثر جُرأة واندفاعًا منا، وكُن يتصرفن بحرية ويتحدثن بصوت مرتفع عن جلساتهن، بينما كُنا نحن القادمات من عالم سري نبدو أمامهن مثل كائنات فضائية غريبة الملامح".


مريم التيجي عام 1984

الفتيات الحديثات المنضمات لجماعة "العدل والإحسان" العاملة في العلن، كانت لديهن قدرة عالية على الاستقطاب أكثر من غيرهن القادمات من "التبين" بجلساتهن السرية. تقول صاحبة المذكرات: "كُن يتصرفن وفق خطة مُحكمة التنظيم، وفي البداية تواصلن مع صديقتي المقربتين مني، وقد لاحظتُ التغير الكبير في سلوك الصديقتين، وتبادل الهمس فيما بينهما، إلى أن جاء يوم طلبتا مني مرافقتهما إلى زيارة إحدى الأخوات التي كانت تستأجر بيتا قريبا من بيتنا، كان البيت يضج بالحركة، ثم أخذت صاحبة البيت المبادرة لسألتني إن كنت أحضر جلسة تربوية من عدمه، وشعرت بإحراج شديد، لأني تعلمت أن الحديث عن ذلك ممنوع كليًا، لذا حاولت الإنكار، ثم سألتني: هل تعلمين أنك داخل تنظيم سري خطير دون علمك؟ وشرَحت لي ما تعنيه تلك الجلسات التي كنا نحضرها، مؤكدة أنها ليست مجرد جلسات تربوية، لكنها قاعدة الهرم في تنظيم يمتد خارج المغرب، وأن هذا التنظيم الخطير له جناح مسلح".

وقعت تلك الكلمات كالصاعقة على أذهان مريم التيجي، فكيف لهذه البيئة التي اعتادت الذهاب إليها بشغف هي تنظيم سري يستقطب الفتيات والشباب، وكيف له أن يكون مسلحًا، وماذا عن هذه المربية البشوشة حسنة الخلق والعلم!

← تجنيد بلا توقف لصالح "العدل والإحسان"

لم تتوقف الفتيات الجديدات عن "تجنيد" الآخريات لصالح الجماعة العلنية الجديدة: "بعد ذلك اللقاءالأول زورنا عددًا من البيوت، حيث كان يتم تعريفنا على المزيد من الأخوات، وتقديمهن على أنهن كُن ضحايا سابقات لتنظيمات سرية قبل أن يكتشفن الحقيقة، وتغادرن إلى طريق أفضل".

كانت "الجماعة" الجديدة التي ملأت السمع والبصر بسرعة، بسبب همة أعضائها، وحركتهم الدؤوبة وترددهم على بعض البيوت بالعشرات أحيانًا، وتفانيهم في جذب أعضاء جدد إلى دائرتهم بكل الطرق وبكل الوسائل هي جماعة "العدل والإحسان".

في منتصف السبعينيات وتحديدًا، سبتمبر عام 1974، وبينما ينشد جميع الإسلاميين المغاربة فكرًا قد اقتبسوا أدبياته من جماعة الإخوان ومؤسسيها، بدأ "عبدالسلام ياسين"- المعروف بين أتباعه بالإمام المُجدد- في تدشين مرحلة جديدة أسماها بـ"جهاد الكلمة والنصح لأئمة المسلمين"، سعى خلالها لتأسيس جماعته بمفرده وتشكيل نهج خاص لاتباعه يرمي إلى تأسيس دولة الخلافة الإسلامية، والإيمان بشمولية الإسلام كدين للدعوة والدولة، وفضّل أن يكون علنيًا منذ البداية بخلاف هؤلاء الذين عملوا "في سرية تامة" بعيدًا عن أعين رجال "المخزن".

هذا العام، شهد حدثًا غريبًا لم يغادر ذاكرة المغاربة حتى الآن، عندما أرسل عبدالسلام ياسين- مرشد جماعة العدل والإحسان-، رسالة إلى الملك الحسن الثاني، عنوانها "الإسلام أو الطوفان"، في أكثر من 100 صفحة، قضى على إثرها 3 سنوات ونصف في الاعتقال. كشفت تلك الرسالة الوجه الجهادي للرجل الخارج توا من "زاوية البودشيشية الصوفية"، يدعو خلالها الملك إلى التوبة والرجوع إلى الإسلام على غرار الخليفة عمر بن عبد العزيز، وأن يعيد ممتلكاته للأمة، وأن يتخلى عن مستشاريه مقابل الالتفاف حول العلماء، وإقامة علاقة مع المحكومين على أساس المبايعة، ولم تخل الرسالة ذاتها من الخطاب شديد اللهجة، البعيد عن اللياقة وأدب مخاطبة الملك، وهو ما اعتبره "الحسن الثاني" تطاولًا غير مقبول من صاحبها.

عُرفت جماعة "ياسين" باسم "أسرة الجماعة" قبل أن ترفع ابتداء من 1987، شعار "العدل والإحسان"، تلك المرحلة التي سُميت بـ"التنفيذ ومحنة الحصار"- (1985- 1990)، وشهدت حالة استقطاب كبرى من أعضاء الجماعة للمنتمين الآخرين بالتيارات الإسلامية ورجال التعليم والعمال، وقد راهنوا على طلاب الجماعات والمدارس لتكوين قاعدة كبرى لهم، ووسط كل ذلك لم تصمد "مريم التيجي" طويلًا أمام "مغريات" عالم الجماعة الجديدة الذي يتخذ من العلانية والمواجهة سلاحا لتأسيس حلم الخلافة.

تقول "التيجي": " وجدت في هذا الحماس بالاستقطاب والروح القتالية وزخم الأنشطة ما يستهويني، كما أن بعض الأفكار كانت مقنعة لي، فقد ارتكزت محاولات الاقناع بالالتحاق في صفوفهم على أمرين، أولهما أن الوصول إلى الله وسلوك الطريق الصحيح مستحيل دون (مرشد) من أهل الله، وأن الشيخ عبد السلام ياسين، هو هذا المرشد الذي اجتمعت فيه كل المواصفات، والثاني أن العمل السري، ما هو إلا مرحلة في حياة الدعوة الإسلامية، ويجب أن تخرج بعدها إلى العلن، وأن الوقت حان للجهر بالدعوة".

← مجلة الجماعة وشرائط "البشيري".. صوت الإسلاميين

في مرحلة الشد والجذب تلك، صارت مريم التيجي تتردد كثيرًا على بيوت أعضاء "جماعة العدل والإحسان"، وفي كل لقاء تحصل على أحد أعداد مجلة "الجماعة"- (صدرت في فبراير 1979 بهدف أن تكون أداة عمل وتعارف بين الإسلاميين أولًا، وأداة توعية عامة تتبعها يقظة، وأن تكون الصوت المسموع للإسلاميين)- وعلى بعض الأشرطة السمعية للشيخ "البشيري"- (محمد البشيري، الرجل الثاني بجماعة العدل والإحسان وأحد مؤسسيها، خرج منها وتوفي بعدها بعدة أشهر بأزمة قلبية).


العدد الأول لمجلة الجماعة 1979

كانت جماعة "العدل والإحسان" ترى نفسها الأحق بقيادة الدعوة والعمل الإسلامي وأن جميع الإسلاميين الآخرين تابعون لـ"المخزن"- عملاء للأمن- وهو ما توضحه "التيجي" قائلة: "أكثر شيء كان يتردد في كل المجالس، هو انتقاد بقية الحركات الإسلامية المتواجدة في الساحة، وكانت الانتقادات حادة جدًا وقاسية، في تلك المجالس سمعت بأن الجماعات السرية، وعلى رأسها الجماعة التي أنتمي إليها- (التبين)- لها امتدادات في الخارج، وقراراتها ليست مستقلة وأنها خطيرة وقد تؤذي أعضاءها الذين يتمردون عليها أو يفكرون في الانسحاب".

في تلك المجالس، سمعت "التيجي" لأول مرة، أن هناك جماعة تسمى "جمعية الجماعة الاسلامية"، وأن كل أعضائها هم مخبرين وجواسيس يعملون لصالح "المخزن"- كما يراهم مريدو عبدالسلام ياسين- إذا تقول: "كان العداء شديدًا تجاه هذه الجماعة، التي لم أكن أعرفها من قبل، وكان اسم شخص ما يتردد أكثر من غيره، وتقدم الأدلة الدامغة على ولائه للمخزن، وتحريضه على بقية "إخوانه، والزج بهم في المعتقلات السرية، لم يخل مجلس من المجالس، التي كانت مخصصة في ذلك الوقت للاستقطاب، من الحديث عن (عبد الإله بنكيران) لدرجة أنه ترسخت في قلوب الجميع كراهية شديدة، تجاهه، وتجاه تنظيمه (البوليسي) كما صرنا نعتقد".

← في صفوف جماعة "ياسين"

بدأت "التيجي" وزميلاتها، السير على درب جماعة عبدالسلام ياسين، بعد التمرد على الجماعة القديمة والتغيب عن حضور جلساتها السرية على حساب جلسات أخرى "علانية"، ولم يعد الحديث- حينها- همسًا في السياسة بل صار قويًا ومندفعًا، وأصبح الإعلان عن الهوية هو تحدي مفتوح مع المجتمع، وكان "عبدالسلام ياسين" متواجدًا بقوة في أحاديثهم.

ولم تشبه تلك اللقاءات، جلسات جماعة "التبين" التي نُظمت في مكان واحد، بل كانت كل جلسة في حي ومكان مختلف عن الآخر، بينما كان مركز اللقاءات الشهري هو بيت "ياسين" بحي السلام في "سلا" – مدينة ساحلية غربي المغرب بالقرب من الرباط- يُعج دائمًا بحلقات المُستقطبين من النساء. تحكي "التيجي" عن حضورها الأول لهذا اللقاء الشهري بالبيت: "جلسنا في حلقة دائرية في البداية، قبل أن يزيد عدد الوافدات وتتشكل حلقات أخرى ترأسها ابنة الشيخ (ناديا ياسين)".

كان اللقاء داخل بيت مرشد "العدل والإحسان"، ينقسم بين قيام الليل والذكر والجلسات التربوية، و(فقرة تفسير الأحلام) الغريبة التي تحمل الإجابة عليها آمال كبيرة لبعضهن قد تنتهي بهن إلى الدمار وضياع مستقبلهن، ولما لأ وقد كانت أغلب التأويلات تميل إلى اعتبار أحلامهن من "الكرامات"، مرورًا بفقرة الأسئلة والفتاوى التي كانت تجاوب عليها ابنة "ياسين" وترفع بعضها إلى والدها للرد عليها".

تتذكر مريم التيجي، أن إحدى الحاضرات وجهت سؤالًا حول الانضمام لجماعة نسائية "علمانية" بغية تغييرها وإرشادها نحو الدعوة السليمة على نهج "العدل والإحسان" فكان الرد بالنفي القاطع وضرورة الابتعاد. تلك الإجابة التي حملت بين طياتها نظرة هذا التنظيم لباقي الإسلاميين المغاربة على أنهم عملاء وجواسيس، ويحظر التعامل معهم أو حتى الاقتراب منهم.

دأبت صاحبة المذكرات، على حضور اللقاءات الأسبوعية للجماعة، وقراءة كل أعداد مجلتها، رغم أسلوبها الصعب بالنسبة لسنها ومستوى تعليمها- آنذاك- كما واصلت استماع أشرطة "الشيخ البشري"، وعشرات الخطب التي تتحدث عن "الطاغوت" الذين حرضوا على الوقوف ضده لإنقاذ الدعوة.

هذا "الطاغوت" في نظر أتباع عبدالسلام ياسين، هو الملك الراحل الحسن الثاني، الذي رفض رسالة مؤسس الجماعة وسعى لسجنه وهو العشرات من قياداتها، في وقت أُجبر فيه أتباعها على حفظ كل الأحاديث النبوية التي تتحدث عن الخلافة، حتى أنهم كانوا يرددون حديثًا أكثر ما يذكرون سورة الفاتحة يوميًا إلى يومنا هذا، إذا يقول: "تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة".


مذكرات مريم التيجي حول إسلاميي المغرب – منتصف التسعينات

← جعلوني "جاسوسة ومُندسة"

في تلك السنة الدراسية "أولى باكلوريا"، كان عقل "مريم التيجي" قد استوعب أمورًا كثيرة عن طبيعة هذه البيئة التي تتعامل معها، والجماعة الجديدة التي تحرص على حضور جلساتها، ما دفعها إلى مزيد من المعرفة فأخذت تلقى الأسئلة في جلساتها، إلا أن ذلك كان "خطأ لا يُغتفر" عند هؤلاء، الذين أرادوها أن تُسلم بكل شيء يُقال.

تقول عنه: "كان يمكن أن أبقى في قارب الجماعة لوقت أطول، لولا أني التقيت بصديقة قديمة من أيام الطفولة وتجددت علاقتنا، وكان أحد أقاربها ناشطًا في جماعة أخرى أول مرة أسمع بها- (جمعية الجماعة الاسلامية)-، حديث صديقتي الحماسي عن الجماعة الجديدة، أثار فضولي وخاصة أنها ليست جماعة سرية، هذا الفضول وتراكم المعلومات لدي من خلال علاقاتي الجديدة خارج الجماعة دفعني لارتكاب خطأ لا يغتفر، فقد بدأت أطرح الكثير من الأسئلة، وفي الدوائر الضيقة بدأت أجهر ببعض الملاحظات، ولم يتأخر الرد طويلا على هذا الإزعاج، إذا بدأت بعض التغيرات التي آذتني نفسيا بشكل بالغ تحدث معي وحولي".

أراد مسؤولو الجماعة أن يحيطوا "التيجي" بعزلة تامة فهناك أناس رأوا في أنفسهم أنهم "أطهر منها روحا، وأطيب منها قلبا، وأرحب منها نفسا، أو أذكى منها عقلا"، بل اتهموها بالخيانة والجاسوسية وأنها "مدسوسة" من قبل الجماعة الأخرى- (جمعية الجماعة الإسلامية)- التي برزت في ذلك الوقت بقوة. كانت ملامح هذه العزلة واضحة فقد انقلبت عليها صديقتها التي رافقتها في ثانوية "عبد الكريم الخطابي"، وامتد الأمر إلى المدرسة، إذ تقول: "لاحظت أن المقعد الذي كان بجانبي فارغ، وصديقتي تجلس خلفي، وقد غيرت مكانها في كل الأقسام الأخرى التي كنا نتنقل داخلها من مادة إلى أخرى، وشعرت بحصار حقيقي، كان يوم الأحد هو موعد اللقاء التربوي الأسبوعي، مع أخوات العدل والإحسان، وكان المكان محدد سلفًا في لقائنا الأخير، ذهبت كالعادة في نفس الساعة، طرقت الباب، ولم يجبنِ إلا الصدى".

غيرن الجميع جلساتهن دون علمها: "فسرت ذلك بعدم إعلاني الصريح للانتماء إلى الجماعة، وفي لحظة قررت أن أذهب عند الأخت المسؤولة مساءً وأخبرها أني سأنتمي رسميًا، ربما لأني لم أتحمل مشاعر النبذ التي أحاطت بي خلال أسبوع كامل، في المساء، ومباشرة بعد انتهاء اللقاء الذي تم بدوني، جاءت لزيارتي صديقتي وسألتها عن اللقاء فأنكرت أنها أقيمت أصلا، وبقيت في الباب، ورفضت أن تدخل، وطلبت مني أن أعيد لها كل أشرطة الشيخ البشيري، التي كانت عندي، وكل أعداد مجلة الجماعة، الخضراء اللون، والتي كنت لازلت أقرأ بعضها، رفضت أن أبقي معي أي شيء معللة ذلك أن صاحبة الكتب والأشرطة ستسافر وربما لن تعود قريبا".

كانت آخر علاقات "التيجي" بجماعة عبدالسلام ياسين "مُحبطة" لها؛ فقد شعرت أن الجميع ينبذها دون سبب: "أسابيع بعد ذلك، سأعرف أني اعتبرت جاسوسة مدسوسة للنظام، أحاول اختراق صف الجماعة، كانت التهمة أكبر مني بكثير، لدرجة أن عقلي عجز عن استيعابها أو القيام بأي رد فعل تجاهها".

← التخوين يسيطر على "العدل والإحسان"

على الرغم من هالة التخوين الكبرى التي انتشرت في أرجاء تلك العلاقة، إلا أنها لم تكن الأولى فإن تاريخ جماعة "العدل والإحسان" مليء باتهامات كثيرة تتعلق بالتخلص من أتباعها المشكوك في أمرهم أو الرافضين للسير على طريقها، فكان الطرد والإعفاء والإقالات السمة الغالبة لحصر الأزمة في أعضائها لضمان عدم انهيار التنظيم، ولعل ما حدث مع "محمد البشيري" الذي طرده عبدالسلام ياسين، أبرز تلك الحالات، وهو ما وضحه الرجل ذاته في تسجيل نادر له.

يقول البشيري- ذو التوجهات السلفية- موجهًا لومه لـ"ياسين": "قولي بالله عليك كيف سولت لك نفسك وأنت رافع لواء الصلاح والورع أن تتأمر عليا ولماذا خدعتني طيلة 17 عاما وطلبت مني أن نتعاون على بناء الجماعة سويا أنت من الداخل وأنا من الخارج حسب تعبيرك، لماذا استغللت صدقي وحسن نيتي وسخرتني في الدعوة اليك وتزيينك للناس وتبرأتك من هلوسات الصوفية مع أن الصوفية ما زالت تجري منك مجرى الدم في العروق، هل سولت لك نفسك أن تكذب وتقول أني قد قدمت استقالتي".

انتهى فصل آخر من تلك الفصول التي عاشتها مريم التيجي داخل مجتمع الإسلاميين السري والعلني في المغرب لتستهويها جماعة أخرى رأت أنها ستعوضها عن أيامها القاسية الأخيرة داخل صفوف العدل والإحسان...

لقراءة الحلقة الأولى

اضغط علي الصورة

بمشاركة


جرافيك ورسوم: أحمد بيكا

قصة


محمود الطباخ



العودة للصفحة الرئيسية