مأساة المجروحين بالماء
"مرضى التعرق المفرط".. ضحايا الإعاقة الخفية

في مقعدها المخصص لأداء امتحانات منتصف الفصل الدراسي 2010، جلست سارة عصام، الطالبة بالصف الثاني الابتدائي، وملامح وجهها يعلوها التوتر، كلما أمسكت منديلا ورقيا تابعتها أعين مراقب اللجنة، بعد نقاش مع زميله، توجه إليها قائلا: بتغشوا في السن ده؟!. حاولت الطالبة شرح معاناتها للمدرس بعد أن اقتطعت من وقتها المخصص للكتابة في إخباره بأنها تعاني من فرط تعرق اليدين Palmar hyperhidrosis، وهو أحد الأمراض النادرة، التي تصيب نسبة 5% على مستوى العالم، وفقًا للجمعية الدولية للتعرق المفرط.

رغم موهبة الفتاة في "عالم مكياج الرعب"، فإنها تمنت عدم الالتحاق بالكليات العملية التي تتطلب استخدام الأيدي لساعات متواصلة، لكن القدر اختار لها كلية الفنون التطبيقية، التي تتطلب التدريبات المكثفة والمتنوعة بين الرسم والتخطيط: "فيه رسومات بتاخد مني أكتر من ست ساعات متواصلة وبارسم وإيدي بتمطر عرق".

المتطلبات الدراسية، كالتعامل مع الأوراق أو الإمساك بالأدوات، تضع الفتة بين ثنائية الصراع في رغبة الحصول على درجات التقييمات وآثار العرق المُنهالة أعلى راحة يدها، ومن ثم تفسد لوحاتها: "فيه مواد معينة درجاتها بتتوقف على نظافة اللوحة وغصب عني العرق اللي بينزل من إيدي ممكن يبوظها، باضطر أَعيدها ودا بيأخرني عن زمايلي في التسليم"، لذا لم يكن لدى الطالبة بديل سوى إعادة رسم اللوحات مرارا وتكرارا، وذلك يكبدها وقتًا وجهدا كبيرين.

صور توضح حالة سارة


لم تعان صاحبة الـ18 عامًا بمفردها من آثار هذا المرض النادر، بل شاركها 3 آلاف آخرين، عدد أعضاء جروب "مرض التعرق المفرط"، وهو جروب مغلق على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، وقد أجرى "ذات مصر" من خلاله استطلاع رأي مع 21 شخصا مصابا بالمرض من ثماني جنسيات عربية للتعرف على طبيعة المرض وآثاره الاجتماعية والنفسية والمهنية، وطرق علاجه، وكانت النتائج كالآتي:

وفيما يتعلق بهدف الجروب، علق مؤسسه الجزائري على بن عون أن إصابته بفرطِ التعرق كانت دافعًا رئيسيًا لتدشينه منذ عام 2017 للتعرف على طبيعة المرض وتوفر كافة المعلومات المتاحة عن أحدث طرقه العلاجية، وليصبح مساحة مشاركة آمنة للمصابين نتيجة المواقف المحرجة، التي يتعرضون إليها جراء عدم الوعي المجتمعي بطبيعته.

الرهاب الاجتماعي والعزلة.. نتيجة حتمية

"إيدك عاملة كدا ليه؟" و"لابسة شراب في الجو النار دا؟" و"أنتِ مبتحسيش يا بنتي؟ لابسة خفيف إزاي كدا في عزّ الشتاء؟".. تساؤلات تلاحق "سارة" منذ طفولتها نتيجة جهل الغالبية العظمى بتداعيات فرط التعرق الراحي، الذي لم يتوافر عنه سوى معلومات طفيفة باللغة العربية، ونتيجة ذلك يئست الفتاة من شرح طبيعة مرضها، فلم تحصد سوى تعرضها للمواقف المؤذية، فتطاردها تبعات الخروج عن المألوف، ففي الصيف لم تفارق الجوارب قدميها، بينما في يناير ترتدي الملابس الصيفية، وتقول لـ"ذات مصر": "اتأقلمت على العرق ومابقاش يفرق معايا التعليقات، وعشان ما أحرجش نفسي مابقتش أسلم على أي حد".

الإيذاء صار طقسا يوميا لمصابي التعرق المفرط، وهذا ما أظهرته نتائج استطلاع الرأي، إذ تعرض 100% من العينة لمواقف مُسيئة خلال المصافحة أو التجمعات واستقلال وسائل النقل، مما أصابهم بالعديد من الأمراض النفسية كـ(الاكتئاب-الوسواس القهري- الرهاب الاجتماعي-عدم الثقة بالنفس)، ونتيجة لذلك لجأ بعضهم للعلاج النفسي والأدوية المهدئة، التي تقلل التوتر، إذ قال أحدهم: "نعاني كل دقيقة من القلق والتوتر، صحيح أن هذا المرض غير قاتل، لكنه محرج ومقلق، ويحرمنا من العيش مثل الآخرين"، كما عزف أكثر من مصاب بتعرق الإبطين عن الزواج خوفًا من الرفض.

مش عارفة أعيش

"أنا محرومة من أني ألبس جزمة بكعب ومستحيل أربي ضوافري لأنها بتتملي طين من العرق".. عادت مريم جلال، الطالبة بالفرقة الثالثة بكلية الزراعة قسم نظم تغذية، لتروي حرمانها منذ الطفولة من إطلالات الأنوثة –على حد وصفها- من قبيل ارتداء حذاء من طراز الكعب العالي أو ترك أظافر يدها تنمو، إثر إصابتها بفرط تعرق اليدين والقدمين، ليس ذلك فقط، بل شكلت المهام الدراسية، خاصة التي تتطلب الكتابة، عبئًا إضافيًا على الفتاة: "باكتب ببطء شديد جدا من شدة العرق ودا بيأخرني جدًا عن كل زمايلي وأوقات باستأذن حد من أصحابي يكتب لي".

وجدت ذات الـ20 عامًا راحتها في التخلي عن تفضيلاتها لتبدو أكثر تصالحًا مع التعرق المفرط، الذي حاولت القضاء عليه بمختلف الطرق العلاجية والوصفات الطبيعية: "الدكتور قالي على زيت لإيدي بيقلل العرق شوية بس ممكن ياخد ساعتين لحد ما ينشف ولازم أفضل ما أتحركش ولا أعمل أي حاجة".

"لا أستطيع الكتابة على السبورة، وفي الامتحان كنت أبلل الورقة، ولا أستطيع ارتداء النعال ولا الملابس ذات الألوان الواضحة".. هكذا روى "رشيد" من الجزائر عن تأثير ذلك المرض على مجرى حياته، بعد أن صاحبه منذ عمر الرابعة، ولم يكن أمام الشاب اختيار سوى العزلة لتفادي المواقف المحرجة: "أصبحت أحب العزلة وأصبت بالذعر والخوف من التجمعات"، ورغم تجنبه للتجمعات ما زال العمل يمثل عليه ضغوطات جمة وقت تلقي الملاحظات حول عرقه المفرط: "الملاحظات كلها استهزاء وسلبية ولما باحاول أفهمهم طبيعة المرض مش بيصدقوني".

تعددت محاولات الشاب الثلاثيني لعلاج التعرق المفرط بين المراهم التي تحتوي على الألومنيوم وجهاز "الإرحال الآيوني-Iontophoresis"، -يعمل على إنتاج تيار كهربائي معتدل في الماء، ثم يتمّ تمريره عبر سطح الجلد المُراد علاجه، وتعمل هذه الطريقة على زيادة سمك الطبقة الخارجية من الجلد، مما يقلل تدفق العرق إلى سطح الجلد- دون جدوى، قائلًا: "التعرق المفرط ليس مجرد مرض لكنه إعاقة اجتماعية غير مرئية".

العلاج.. محاولات عبثية

تطرقت دراسة الطبيب المتخصص في الجلدية "جريجوريو إس- Gregoriou S" بالجامعة الوطنية وكابوديستريان في أثينا للطرق العلاجية المتعددة لذلك المرض، وقسمها إلى الأساليب غير الجراحية، ومنها (مضادات التعرق الموضعية- البوتوكس "حقن توكسين البوتولينوم"- الإرحال الآيوني) والأدوية الفموية، وهي مجموعة الأدوية المعروفة باسم مضادات الكولين، إلى جانب التدخلات الجراحية المتمثلة في (إزالة العصب السمبثاوي)، ومضادات التعرق ذات القوة المضادة، تلك التي تحتوي على هيكساهيدرات كلوريد الألومنيوم.

جميع الطرق السابقة خضع له مصابو فرط التعرق بناء على نتيجة استطلاع الرأي أو من تم لقاؤهم، دون جدوى، بينما ظلت المناشف الورقية وارتداء الملابس القطنية وتغيير الجوارب أكثر من مرة يوميًا ملاذهم الوحيد للتعامل مع العرق الغزير، وفي ذلك الصدد تعبر الطالبة بكلية الفنون التطبيقية عما تُمثله المناشف الورقية لراحتها: "اليوم اللي بانسى فيه المناديل وأنا رايحة الكلية بيكون أسوأ يوم في حياتي".

جهاز الإرحال الآيوني

"البوتكس".. البديل الآمن

الدكتور عبدالستار الرفاعي، أستاذ جراحة التجميل وجراحة اليد بكلية طب-جامعة الأزهر، أوضح أن "حقن البلوتونيوم توكسين"، المعروف بالبوتكس، أنسب وأكثر أمانا من الطرق العلاجية لمرض فرط التعرق في اليدين أو القدمين أو الوع الإبطي، وتوصل إلى ذلك من خلال بحثه (علاج فرط تعرق راحة اليدين الأولي باستخدام مادة البوتولنيوم "البوتكس")، المنشور بدورية المجلة الطبية لكلية طب-جامعة أسيوط، والمطبق على 28 مريضًا بفرط التعرق الأوليّ المتوسط والشديد (19 إناث-9 ذكور)، وتوصل إلى فعالية استخدام مادة البوتكس من النوع (أ) كبديل علاجي فعال، قلل من شدة التعرق لـ24 مريضًا بنسبة 87%، واستمر مفعول العلاج حتى 6 أشهر لـ22 مريضا بنسبة 6.78%، و8 أشهر لـ3 مرضى بنسبة 10.7%، و9 أشهر لـ2 من المرضى بنسبة 15.7%، و5 أشهر لمريض واحد بنسبة 3.55%.

وفيما يتعلق بالتدخلات الجراحية لمرض فرط التعرق، حذر الدكتور المتخصص في جراحة التجميل من التداعيات الخطرة لعملية "قطع العصب السمبثاوي"، والمتمثلة فيه جفاف واحمرار اليد نتيجة انقطاع العرق بشكل نهائي، والعصب السمبثاوي عبارة عن مجموعة أعصاب مسؤولة عن تنبيه الغدد العرقية، ففي حالة تعرق اليدين يتم قطع العقدة السمبثاوية الأولى في الرقبة، أما فرط القدمين بقطع العقد السمبثاوية في الفقرات القطنية والعجزية.

وعن آخر مستجدات الحقل الطبي لعلاج التعرق المفرط الأولي، كشفت الجمعية الوطنية لفرط التعرق، أن "دراسة كارديجان- Cardigan Study" بدأت منذ فبراير الحالي في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية لإجراء تجارب سريرية لتقييم دواء موضعي لعلاج فرط التعرق الإبطي.

دراسة الدكتور عبدالستار الرفاعي وحقن البوتكس


"الإعلانات الطبية".. بيزنس يروّج للتنمّر

نتيجة البحث باللغة العربية عن مرض التعرق المفرط تركزت نتائج البحث حول الإعلانات الطبية التي تروج للتخلص من الحرج وليس علاج المرض ذاته، وتحمل جُمل دعائية ثابتة مصاحبة للإعلانات كافة من قبيل "علاج فرط تعرق اليدين في نصف ساعة.. وداعا للإحراج.. وداعا للقلق"، واجتمعت إجابات استطلاع الرأي حول الدعاية الطبية بأنه استغلال للمرضى من أجل الربح، كما أنها تُكرس الجهل بالمرض وتزيد معاناة أصحاب فرط التعرق.

وعلق الدكتور عبدالستار الرفاعى على تلك الدعاية، بأنها "وسائل تجارية مضللة وليست طبية، تخدع المريض بمحاولة إقناعه بأنها المنقذ الأخير للتخلص من الحرج الناتج عن العرق المفرط"، مؤكدًا أنه من خلال بحثه المتعلق بحالات فرط التعرق أن هؤلاء المرضى يعانون من الضغوطات الاجتماعية والنفسية، خاصة الشباب والإناث، وتلك الإعلانات ليست حلا، بل تجارة بآلامهم.

رسوم وجرافيك


أحمد بيكا

قصة


سمر حسن - صحافية مصرية



العودة للصفحة الرئيسية