"مشهور" سرق تنظيمي

أول أمين سر لـ "دولي الإخوان" يخرج عن صمته

الهيئة التي بدا عليها في أول مرة للقائنا به في القاهرة، لم تعكس بأى حال مكانة الرجل في تنظيمه القديم، كان مثل الأفندية يرتدي "بنطال وجاكيت بلا رابطة عنق، ويتكئ على عصاه"، أما ملامح وجهه فيخطف النظر منها زبيبة صلاة قديمة تدمغ جبهته، ولحية بيضاء خفيفة ومهذبة تطوق خديه، ويشبه الإخوان الأوائل في خطابهم وسمتهم ولزماتهم، لكن لا تفصح عينيه عن طباع قاسية، ولا يبدو عند مصافحته أن يديه ندت منها قطرات الدم أو قبضت على السلاح من قبل.

ضجيج الأفكار المتلاطمة في رؤوسنا، والأسئلة التي ننتظر الإجابة عليها، كان أكثر صخبا من ضوضاء قطارنا المتجه إلى الإسكندرية للقاء القيادي البارز في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، فرغم هذه المكانة التنظيمية الرفيعة لم تجب ذاكرة محرك البحث الأشهر والأكبر «جوجل» عن أسئلة كثيرة تخص حياته ومسيرته.

دفع الرجل بين أيدينا بمئات الأوراق والوثائق التي كان بعضها يحتاج إلى فك طلاسمه، وكان هو وحده من يملك شفرة تلك الطلاسم. أبرز تلك الوثائق التي تكشف المكانة الكبيرة للرجل داخل جماعة الاخوان والتنظيم الدولي، رسائل طائرة من وإلى أساطين التنظيم القديم، وقد يكون سقوط جميع هذه الأوراق كلها في يده، ثم منه إلى أيدينا كافياً وحده لكشف حساسية الموقع المهم للرجل داخل التنظيم خلال ما يربو على 3 عقود.

حالة الخفاء التي يعيش فيها وابتعاده عن الأضواء تشي بأن هناك غيره ممن يعتبرون أركانا أساسية في تاريخ التنظيمات الاسلامية وإن طواهم النسيان، لم يدلوا بشهاداتهم بعد، وأن ثمة رجالا كانوا متخفين وما زالوا في ثنايا هذا التنظيم الذي يواري بين تراتبيته ومواقعه، أكثر مما يظهر.

شق القطار الجداول والحقول مُتنقلا بين المحافظات حتى توقف في محطة «سيدي جابر» بالإسكندرية، ولم يتبق سوى دقائق قليلة، ليبدأ لقاء انتظرناه وأعددنا له طويلاً مع السيد «محمد المأمون». فتح الرجل باب منزله واستقبلنا بكرم وطيبة لا تخفى على أحد، كان وحيداً، جلسنا على منضدة كلاسيكية تكومت عليها حزم من الأوراق والصور القديمة أو بالأحرى كنوز من الوثائق وبانوراما تاريخية مصورة.

مع الثواني الأولى التي سجلتها الكاميرا للقاء، كان شغفنا الأكبر يدور حول تعريف الرجل لنفسه وكشفه عن هويته ودوره ومكانته بلسانه.. وفي أول السرد وأوسطه وآخره، كشف «المأمون» عن ميراث كبير من الكراهية والسخط، لم تمحه الأيام تجاه قرينه في التنظيم «مصطفى مشهور»، المرشد الخامس للجماعة، مؤكداً أن عدداً من المنشقين عن الجماعة احتفظوا تجاهه بنفس الشعور، لكن لـ«المأمون» روايات قديمة تسبق تلك التي وردت على ألسنة «المنشقين الجدد»، وأكثر قسوة منها.

«الأخطبوط الكذوب».. هكذا وصف «أبو أنس» المرشد الخامس، كأن قراره بالبوح عن مذكراته جاء خصيصا من أجل أن يدلى بهذه الشهادة في حق «مشهور»، ذلك الرجل الذي نزع منه تنظيمه الموحد الذي عكف على بنائه ما يقرب من 20 عاما قبل أن يأتي مشهور وينزعه منه هكذا بكل سهولة.

النشأة.. الصعيد أول الطريق إلى التنظيم الدولي

«وُلدت في 1941، في صعيد مصر، وعُمري اليوم 77 عاماً. ورغم أن والدي كان من الإخوان غير العاملين، (وصف للإخواني غير الفاعل في التنظيم) وزاره حسن البنا المرشد الأول للجماعة، في بيته وبرفقته الشيخ سيد سابق أحد شرعيي التنظيم البارزين في ذلك الوقت، إلا أن تأثري بالإخوان كان عبر عمي الشيخ فرغل الشاذلي الذي كان رئيسا للمكتب الإداري لمحافظة قنا، وانتظمت في الإخوان وعمري 17 عاماً. كان هذا في العام 1958». هذا ما يتذكره الرجل عن أول البدايات، ثم يتوقف عند السرد المنظم.. ويواصل قائلاً: «كان لسيد سابق، جمهور كبير في المناطق المجاورة لنا، فهو من منطقة اسمها (هو) وتعني الساحة الكبيرة التي يدفن فيها الموتى، وكانت له روابط قديمة هناك، وشكل جماعة أسماها (أهل السنة والجماعة) وذاع صيته في محافظة قنا، جنوب مصر. ومرت الأيام، ووجدت نفسي برفقة (سابق)، وأقمت معه في منتصف الستينات في منزله بحى جاردن سيتي، وسط القاهرة، ومع أنه لم يكن مُحباً للظهور، إلا أنني دعوته بعد ذلك إلى الكويت ليحاضر في ندوة الخميس التي أسستها هناك بعد تدشيني للتنظيم الموحد».

في سن السابعة عشر، عام 1958، انتمى «المأمون» بشكل قوى لتنظيم الإخوان المحظور آنذاك، حيث كان صراع الجماعة مع الرئيس جمال عبدالناصر على أشُده، وعن طبيعة علاقته بالجماعة في تلك الفترة يقول: «كان الانتماء وقتها هو أن تذهب ببعض الجنيهات في جيبك إلى إحدى الأسر، وقد فعلت ذلك عدة مرات، وأسأل الله تعالى أن تكون هذه الأموال في ميزان الحق».

نطق الرجل بهذه الكلمات، ثم توقف ليستدرك بكلمات تنم عن خوف ممزوج بالندم:

«أخشى أن أدفع ثمن كل عمل عملته، الإخوان فيها مجموعة أمراض أو ابتلاءات، وتبين لي أن منهج أهل السنة والجماعة بعيد عن ما يسمى تنظيم الإخوان المسلمين».

ندّ جبين الرجل بالحسرة ونضحت عيناه بالندم وهو يقول: «لو أفنوا شبابهم وحثوا أولادهم على التقرب إلى الله لكن ذلك أجدى لهم».

يُكمل الرجل حديثه عن بداياته قائلا: «حصلت على الثانوية العامة ثم بكالوريوس العلوم، وكنت أذاكر على لمبة كيروسين 10، وكان عبدالناصر يعطي الكهرباء للقاهرة والإسكندرية، لكنه لا يعطيها لأهل الصعيد، وهم أولى وهو صعيدي».

ويتابع: «خرجت إلى القاهرة فعشت فيها أياماً نحسات، ومع حركتي الشديدة التي لا تهدأ، كنت أتلمس الجمعيات القائمة، ومنها جمعية الأمناء للدكتور أمين الخولي، زوج الدكتورة عائشة (بنت الشاطئ)، لكن لم يعجبني نشاطها، وبعد وفاة الأستاذ العقاد، في يناير 1964 حرصت مع أستاذي الدكتور عبدالفتاح الديدي على استمرار صالون العقاد، وأقمت في منزله بشارع، البقلي، في هليوبوليس بمصر الجديدة، وتعرفت من خلال الصالون على خيري شلبي، وعلي أدهم، ومحمد خليفة التونسي، وغيرهم.. كنا نختبئ وراء هذه الجمعيات والندوات، لكن فوجئنا بعد شهرين أو 3 أن الأمن نصح الدكتور الديدي، بوقف نشاط الصالون، وقد كان».

الهجرة إلى الكويت.. وتأسيس (التنظيم الموحد)

ماذا فعل «المأمون» بعد أن توقف صالون العقاد الذى يشغل معظم وقته؟

يقول «بحثت يميناً ويساراً عن الإخوان الذين أعرفهم، فوجدت بعضهم هاجر إلى السعودية وليبيا والكويت. وبعد أحداث 1965 بسنة ونصف قررت السفر إلى الكويت، مستفيدا من علاقة نسب ومصاهرة مع بعض من هاجروا إليها، خاصة الأخ فاروق أحمد علي المنشاوي، وغادرت إلى الكويت هاربا في أبريل 1968م لكني بريء من وشاية ارتباطي تنظيميا مع قيادات 65، نعم كانت لي علاقات بقدامى الإخوان مثل الأستاذ فتحي المحمود الموجي، ومنصور محمد، ومن رفضوا الانزواء في مسئوليات متأخرة في الإخوان، وكنا مرتبطين بفريد عبدالخالق».

وعن طبيعة الحياة والعمل التنظيمي في الكويت، يُضيف: «ذهبت كأى إنسان للعمل، واخُتبرت هناك ونجحت، وعملت في التدريس كمدرس رياضيات، الكلية الصناعية، وكانت من المؤسسات التعليمية التي انضم لها أناس من الجزائر والبحرين وعمان وموريتانيا، ومن كل بقاع الأرض، وكانت حكومة الكويت تعطي لهؤلاء منحا مدتها 4 أو 5 سنوات، ثم يرحلون إلى بلادهم، ومن هنا تعرفت على هؤلاء وكونت منهم التنظيم الموحد، وكان تابعا للإخوان، وإن لم نفصح عن ذلك وكنا ندعو أعضاءه إلى حفلات في الربيع، وبعد فترة عرفوا من نحن.

ويكمل «المأمون قائلا»: «في الكويت بحثت عن الإخوان هناك فوجدتهم منقسمين على أنفسهم، قسم يقوده الأستاذ سالم نجم، أستاذ الأمراض الباطنية في الأزهر، وتوفي قريباً، وقسم برئاسة الدكتور محمد طلبة زايد، عضو الهيئة التأسيسية للإخوان منذ أيام حسن البنا، وعَمَّرَ حتى بلغ 110 أعوام، وكانوا مختلفين في أمور عدة، منها اختلافهم على القيادة، وعلى صلتهم بالأستاذ الهضيبي، وعلى التعامل مع الحكومات والأنظمة، وكان الدكتور محمد طلبة زايد، يرفض تماماً التعامل مع الحكومات، وكانت مجموعته على نهج وسلوك الإخوان الأوائل في الصدق والتضحية، وقد أيدته ومنحته صوتي في الانتخابات الداخلية، أما المجموعة الثانية فكانت متأرجحة بين المنافع المادية واتصالها بزيد أو عمرو، وهي مجموعة الدكتور سالم نجم، أما المجموعة الثالثة فكانت تسمى التنظيم الموحد، وكنت أرأسه أنا، وسمي بهذا الاسم لأن تنظيم (طلبة زايد)، كان جُله من المصريين، وأنا كان عندي أعضاء من جنسيات مختلفة: كويتي ومصري ويمني وبحريني، وكل من يدرس في الكويت».

وشاء الله، وهذه من ألطافه، أن أسكن داخل جمعية الإصلاح، وهذه ميزة لم تحدث لأحد من قبل، وظللت فيه فترة أوفر ثمن السكن، وفي الوقت نفسه كان وقتي متسعا وليس لي إلا الانشغال بجلب وتجنيد الشباب، ومن خلال إقامتي في جمعية الاصلاح أصبحت مسؤولا عن مراكز تحفيظ القرآن الكريم 10 سنوات كاملة، وخلال هذه الفترة أنشأت ندوة اسمها (ندوة الخميس)، قدمت فيها الشيخ سيد سابق، والشيخ عبداللطيف مشتهري، وعبد الحليم محمود، وكنا نحاول أن تنجح الندوة بأن أجلب لهم طلبتي في الكلية الصناعية، وكانت جمعية الإصلاح تتعامل معي على أني جزء من جماعة الإخوان لكن لي استقلالية في تلقي الأمر أو ما يسمى بالبيعة، وسمعنا ونحن هناك أن الشيخ حسن الهضيبي، مات، وصلينا عليه صلاة الغائب، وكان هذا الخبر غير صحيح وقتها.

مع تزايد نشاط الإخوان في الكويت، كان حتميا تعرض أفراد التنظيم لعقبات: «حدثت أزمة في موضوع الحجاب، وخضعت للتحقيق بصفتي غير كويتي، ففي 21 نوفمبر عام 1972 تقريبا أقمنا ندوة ضخمة على مسرح جامعة الكويت، وكانت هناك مجموعة منها فاطمة حسين (نقيبة الصحفيين)، و الدكتور عبدالعزيز السلطان، وغيرهما، وأرادوا إثبات أن الاختلاط في الجامعات سينجح في الكويت لأن ظروفها الاجتماعية تشابه ظروف صعيد مصر، وكان رأيهم أن الاختلاط نجح في الصعيد، وشاء الله سبحانه أن أتلقى في نفس اليوم رسالة من شقيقتي (فاطمة)، قالت فيها إن الاختلاط لم ينجح في نجع حمادي وأن هناك مشاكل كبيرة في استمراره، فخرجت على المسرح أكرر ما قاله أستاذنا الدكتور سعد عبدالرحمن، وقلت إنه لا يجوز ونحن في رحاب الجامعة أن نقول كلاما خاطئا، فأطفأت الأنوار وهربت، وفي اليوم الثاني استدعاني أمن الدولة للتحقيق لمدة 6 ساعات، وقالوا لي: يجب أن تصمت، لكني لم أمنع من التدريس، وشاء الله أن يساعدنا إخوان الدكتور محمد طلبة زايد في الذهاب إلى أبناء القبائل وعموم الناس، لنحصل منهم على عرائض يرفضون فيها الاختلاط، كما ساعدني عبدالله علي المطوع، الذي رأس جمعية الإصلاح الاجتماعي بعد ذلك، حيث أخذني وطاف بي الكويت، وعشنا أياما صعبة، وكانت الوحيدة التي تلبس الحجاب فتاة اسمها خديجة المحيميد، أما الباقيات فكن سافرات، وحُفظ التحقيق، ورأى أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الصباح، عدم طردي من الكويت».

لم يردع التحقيق المدافعين عن عدم الاختلاط، ففكروا في أعمال أخرى تدعم وجهة نظرهم: «نشأت عندي فكرة تكوين (لجنة عليا من أجل الحجاب) وهدفها منها أن نستر بناتنا وأن تغطي كل واحدة شعرها، وكنت أمين سر اللجنة، و أعضائها: الحاج عباس السيسي، والحاج محمود عيد الذي كان يخطب في مسجد السلام بالإسكندرية، والشيخ حسن أيوب، إضافة لطلبة من الكويت يدرسون بالإسكندرية، واتصلنا بهم لنبعث معهم مئات الآلاف من الإيشاربات، وغزونا الإسكندرية بالإيشاربات، فلما نجحت الحملة انطلقت بعد ذلك إلى القاهرة».

وكانت أحداث الاختلاط آخر عهد «أبو أنس» بالكويت، وعاد بعدها إلى مصر عام 1972: «كنت ضيفا على الأستاذ محمد قطب، وأقمت في الإسكندرية لدى شخص كان مستشارا في (مذبحة القضاء)، وصلينا معا، وفي مرة سألني: ما رأيك في أن نذهب إلى المستشار الهضيبي؟، فقلت: لا بأس. و ذهبنا إليه في منطقة قريبة من سيدي بشر، أو العصافرة لا أذكر على وجه التحديد. وكان الأستاذ الهضيبي يجلس على كرسي على الشاطئ بمفرده، وكانت زوجتي أم أنس جالسة مع حميدة قطب، في كازينو بجوارنا، وساعتها لم أكن أعرف ما استجد على الساحة، فقد كانت هناك مجموعة استجدت تقول بالتكفير. بعد سنة رأيت الأستاذ محمد قطب، في الحج في مخيم الإخوان، الذي كان يشرف عليه الشيخ مصطفى العالم، وهو الرجل الثاني بعد زينب الغزالي في تنظيم 65، وكان هو ممول التنظيم. وكان لدى الحاجة زينب الغزالي اندفاع قوي، وكان الثأر يسيطر علي ذهنها ويحرك أحاسيسها، ويقال إنها اعتدلت بعد ذلك وتركت التكفير رويدا رويدا، وهذا الكلام سمعته من الشيخ محمد فريد عبدالخالق، كما قال لي إنه أثناء وجوده في السجن الحربي قال له الشيخ عبدالفتاح إسماعيل: سامحنا يا أستاذ فريد، وأخذ يبكي، وهذه قصة متواترة سمعتها بنفس الأسلوب من أخي وصديقي في الكويت الدكتور إبراهيم عبد الحميد الصياد، وهو طبيب مشهور في الأمراض الجلدية. أما سيد قطب فكان بريئا من كل هذه الأشياء التي التصقت به، ولو عاش لكان قد غيّر كثيرا من الأطروحات الفكرية التي تنسب للإخوان».

في صفوف التنظيم الدولي.. والصدام مع «مشهور»

عن أولى خطواته في صفوف التنظيم الدولي للإخوان، يقول «المأمون»: «في عام 1979، انتدبت لكي أكون أول مسؤول عن الأمانة العامة في (التنظيم الدولي) وكُلفت بالسفر إلى سويسرا، وشاركت في جلسة كان يرأسها الأستاذ كمال السنانيري رحمة الله عليه، وكان معه شخص اسمه القصبي، وبحضور عدد من السوريين، في شقة يدفع إيجارها الأخ يوسف ندا، وغالب همت».

فصل آخر من العمل في التنظيم الدولي، يرويه القيادي الإخواني: «في عام 1981 بعد اغتيال (السنانيري) مباشرة دُعينا لحضور الاجتماع الثاني للتنظيم الدولي وكان به مصطفى مشهور، ولم يكن في سويسرا، وكلف يومها الأستاذ علي جريشة، من قبل الأستاذ عمر التلمساني، باستقبال اللواء فؤاد علام، وفي 1987، كنت قد جئت إلى مصر ومعي أمي الكبيرة في السن اتصل بي الحاج عباس السيسي، وقال لي: عندك جلسة محاسبة مع مصطفى مشهور، فذهبت لمنطقة التوفيقية في القاهرة وكنا في أغسطس».

لم يكن الرجل يدري أن هذا العام سيكون آخر عهده بالإخوان، بعدما شهدته تلك جلسة المحاسبة من وقائع قاسية : «كان هذا العام هو آخر عهدي بالإخوان، وكانت الجلسة تضم أحمد حسنين، وعباس السيسي، ومصطفى مشهور، وقالوا لي: أنت متهم بأن عندك كتيبة مسلحة، وهذه الكتيبة أنت اخترتها، والذي أنشأها الدكتور عصام الدين الشربيني، وكان يدفع نفقاتها الدكتور محمود الساعي، ومن يدربكم هو الأخ محمود حسن، الذي يعيش في منطقة قريبة من ميدان التحرير. بعدها تركنا ما يسمى بـ(الإخوان المسلمين).. تفككنا منهم أنا وإخواني لأنهم كذابون».

قبل أن يروي الرجل بماذا رد على «مصطفى مشهور» أثناء (جلسة المحاسبة) يتذكر كيف تصرف « مشهور» في الميراث الذى تركه للإخوان من عمل تنظيمي وجهد فردي قام عليه وحده في الكويت، ابتغاء الجنة: « كنت أعمل في التنظيم الموحد وحدي وأنشأت له (مجلس شورى)، كنت أقوم بذلك كله من أجل الفوز بالجنة ولا أريد الحكم أو المنصب، وكان لديّ في التنظيم الموحد عدد من اليمن يزيدون عن 200 شخص، أخذهم مصطفى مشهور وقال لهم (أبو أنس) تم فصله من الجماعة، وأعطاهم أوراقا صغيرة بخطه لإرسالها إلى اليمن، وكان معى أعضاء من جنوب شرق آسيا حتى أوروبا، واستغل (مشهور) أعضاء من تايلند في إنشاء كتيبة مُسلحة، وهو لم يكن ضد التسلح، بل كان يريد أن يكون هو الذي يقوم به، لكن أنا فمحظور علىّ، وهو يعمل ولا يُحاسَب وأنا إذا عملت أخضع للحساب».

ويتابع «المأمون» قائلا: «يا أستاذ مصطفى الحيطان تسمع كلامك فلا داعي لتكرار هذا الكلام مرة ثانية، لقد استمعت أنت لبعض الوشاة وهم كاذبون، وما أخذوا برسائلي ونصائحي قط، وكانت رسائلي تحمل معاناة كل الإخوان، ولم يأخذوا بنصيحة الدكتور محمود أبو السعود.. لأنهم لا يسمعون إلا ذواتهم».

وبحسرة يعدد الرجل جهوده في خدمة الجماعة أثناء فترة وجوده في الكويت من خلال التنظيم الموحد الذى يتهم مصطفى مشهور بالقضاء عليه: «كنا الوحيدين على مستوى الإخوان في العالم الإسلامي الذين نرسل أموالا من أموالنا ومن أموال التنظيم الموحد للزيجات، ومنها زيجة عصام العريان، وزيجة عبدالمنعم أبو الفتوح، لكننا لم نكن نريد أن نكشف عن هذا الأمر، وكان الأستاذ كمال السنانيري، قد نصحنا أن نرسل الأموال لشخص مسيحي في غمرة، فكنا نفعل ذلك حتى مات، ثم بعد ذلك كنا نرسل الأموال عن طريق أولاد الدكتور أحمد الملط، في باب اللوق، وكان مريضا، ويعلم الله سبحانه وتعالى أن هذه الأموال لم تكن 100 ألف ولا نصف مليون، بل ملايين أرسلتها إلى الإخوان في مصر للأسف».

يتوقف الرجل عن السرد التاريخي، ليقدم لنا وقفة واجبة مع النفس، ويقول «أنا الآن عمري 77 سنة، وأستقبل أقدار الله، لقد أنهيت رسالتي وعلمت أبنائي، وليس لدى مانع من أن أقول وأنا مطمئن ما أحفظه وما أعيه عن الأخبطوط مشهور». ثم يعود للحديث مُذكراً: «أنا أول أمين سر للتنظيم الدولي للإخوان سنة 1979»، ويضيف: «عبدالحليم أبو شقة كتب أوراقا واقترح إبراز الفكر بدلا التناحر الحزبي، فلماذا الكبرياء والصلف وعدم الاستماع!».

يعود الرجل بذاكرته إلى الوراء فيتذكر تفاصيل الاجتماع الثاني للتنظيم الدولي للإخوان في ألمانيا برئاسة مصطفى مشهور، والذي تحدث فيه عن عدم رضاه عن التنظيم الموحد، قائلاً: "بدأت أحس أنه سوف يناط به هدم التنظيم وفعلا هدمه بعد 1981".

في ذلك الاجتماع كانت هناك مسألة سيطرت على أطراف الحديث، حينما ناقشوا ما خططوا له من قبل بقتل فؤاد علام، رئيس جهاز أمن الدولة في ذلك الوقت- قائلاً: "قرر الإخوان فيما بينهم أن يقتلوه، واستطاعوا أن يسيطروا على شخص اسمه إبراهيم صلاح، وهو ما زال حيا ويعيش في ألمانيا منذ زمن، وفي الاجتماع صدر أمر من عمر التلمساني، بعدم المساس بفؤاد علام، وكُلف علي جريشة بالالتقاء به".

في لقائنا، حرص «أبو أنس» على ذكر عدة وقائع من كانوا داعمين له مثل «كمال السنانيري»: «كان يحبنا كثيرا، ولو عاش هذا الرجل لتبوأنا مواقع عالية جدا في التنظيم لكنه استُشهد، وهذا الاجتماع كان بداية لتأسيس التنظيم العالمي للإخوان، وكان التلمساني راضيا عن «التنظيم الموحد» ومؤيدا له، وكان يحب المكسرات، وكان يطلب مني قطرة لعينيه من الكويت لأنها لم تكن موجودة في مصر، فكنت آتي له بالقطرة ومعها مكسرات طيبة، وكان بيته في الظاهر متواضعاً للغاية، وهناك أيضا إسماعيل السيد، هو أحد قدامى الإخوان الذين كانوا في النظام الخاص، وكان يعمل حرًا في مجال البناء بالكويت، وتوفي بها، وكان كريما بهداياه لنا، وللأسف الإخوان لم يقدروا جهوده».

ويستشهد «المأمون» الذى يشعر بالغدر تجاه «مصطفى مشهور» برأى الشيخ «محمد الغزالي» فيه، ويقول « الشيخ محمد الغزالي، وهو الآن في دار الحق، يقول عن مصطفى مشهور إنه رجل شؤم كذوب، وحين كان الشيخ سيد عيد، مع مشهور في زنزانة واحدة، قطع يده وأنزل منها دما كتب به تأييدا للنظام، حتى يخرج».

أرسلنا رسائل عديدة، لكنهم لم يسمعوا لنا، وأصروا واستكبروا، فابتعدت عنهم، وأبديت الندم.

image-1
X
image-2
X
image-3
X
image-4
X
فريق العمل
  • إعداد الموشن

    محمود الطباخ

  • جرافيك ورسوم

    أحمد بيكا

  • مونتاج

    محمود أسامة

  • قصة

    صلاح الدين حسن

  • قصة

    ماهر فرغلي