Let Them All Talk..

وداع صامت لعلاقات متأرجحة

غالبًا ما تتقاطع أفلام المخرج Steven Soderbergh مع حكايات حقيقية وهو ما ظهر في عدد من تجاربه السينمائية المميزة مثل Sex, Lies, and Videotape عام 1989، وErin Brockovich عام 2000 وكذلك Behind The Candelabra عام 2013، وكذلك حال فيلمه الأخير Let Them All Talk “دعهم يتحدثون” من تأليف Deborah Eisenberg، ففيه ينتقل من القصص الحقيقية إلى العالم السينمائي الذي تتداخل فيه العام والخاص.

فتسأل “كارين” موظفة وكالة النشر “تايلور” ابن شقيق “أليس” عن الوقت الأمثل للتحدث مع عمته بشأن مسودتها التي تعدها لكتابها الجديد، و”أليس” تسأل “تايلور” عن الوقت الأمثل للتحدث مع صديقتها القديمة “روبيرتا”، في الوقت نفسه تتبادل كل من “روبيرتا” و”سوزان” الحديث عن “أليس” وفي ماذا تفكر، ويحاولن تفسير تصرفاتها، فالجميع هنا في حالة حديث وسؤال دائم لكن مع الشخص الخطأ.

تدور أحداث الفيلم عن كاتبة شهيرة تدعى “أليس هيوز” الفائزة بجائزة أدبية شهيرة بالمملكة المتحدة وعليها استلامها، وبالتالي ينبغي أن تسافر، لكنها ترفض السفر من خلال الطيران لسبب لا نعلمه في البداية، ومن ثم تقرر الوكالة أن توفّر لها السفر عبر رحلة في المحيط من الولايات المتحدة إلى المملكة المتحدة.

"أليس" مع "تايلور" ابن أخيها

حواري لا يخلو من الصمت

توافق “أليس” على السفر بشرط مرافقة اثنين من صديقاتها القدامى “سوزان” و”روبيرتا” إلى جوار “تايلور” ابن أخيها، خلال رحلة العبور المكانية تتكشف علاقات الشخصيات بطريقة سرد تمهيدية تعتمد على قراءة ما بين السطور، خاصة في ظل الحوارات التي تجمع ما بين الدراما والكوميديا الساخرة وكوميديا الموقف والحوارات.

لذا يعتبر الفيلم حواريًا بامتياز، فهناك حوارات مستمرة ومتناقلة ما بين الشخصيات الرئيسة، كما يعتبر الحديث تعبيرًا عن دور الشخصية داخل أحداث الفيلم، فقد وظَّف الفيلم الحديث والصمت للتعبير عن الشخصيات، وهو ما يتضح في شخصية دكتور “ميتشل” John Douglas Thompson، الذي يظل صامتًا في غالب أحداث الفيلم وهو شخصية مُبهمة وتدور الشكوك حول ماهيتها وكينونتها.

لا تقف قيمة الحوارات عند تعريف المشاهد بتفاصيل الشخصيات وإنما لتكوين رؤية شاملة للأبعاد الشعورية ورؤية الأفراد للآخرين وذواتهم، فالجميع يعاني رغم الصمت ومحاولة الظهور بأفضل صورة، كما تتجلى المساحة بين العام والخاص، فـ”روبيرتا” تتحدث عن “أليس”، وتتحدث “أليس” مع تايلور عن “روبيرتا”، وتتحدث “كارين” مع “تايلور” أيضًا عن “أليس”.

فالجميع يتناول الآخر بالحديث، كما يتحدث الفرد عن نفسه، وهو ما يخلق مساحة متباينة بين خصوصية الشخص ورأيه عن نفسه ونظرة الآخرين إليه وطرح حياته للحوار العام، كذلك لا يحدث الحديث المباشر بين الشخصيات، بل يكون التعامل مع هذه اللقاءات المرتقبة بتقديم بصري تغلب عليه الشاعرية والغموض.

وهو ما نراه في مشهد المكاشفة بين “أليس” و”روبيرتا” وكذلك “كارين” و”تايلور”، وهكذا تتطور أحداث الفيلم بشاعرية وتناقل ما بين الصمت والحوار، وهو ما يتواكب مع تقديم فيلم عن كبار السن والصداقات الموؤدة العائدة من الماضي، وعلاقات لا تكتمل أو على حافة الهاوية وقد تنتهي بالفقد في أغلب الأحيان، الفقد للحلم الممثل في الحب أو الصداقة.

مشهد من الفيلم

لا حكم على الإنسان

يتجاوز الفيلم قراءة شخصياته في سياق قيمي أو أخلاقي، فهم أشخاص يحملون الجميل والقبيح، يعبرون عن القيمة الإنسانية والمعادلة التي تجمع بين الخير والشر، بجوانبه المختلفة دون حكم، قد تكون “أليس” مذنبة في عيني “روبيرتا”، في حين تبقى “روبيرتا” حبيسة مظلوميتها القديمة وادعائها باستغلال “أليس” لحياتها لتكون ثمرة أعمالها الأدبية، وتحاول استغلالها لتعوض حالتها المادية المتأزمة.

على مدار أحداث الفيلم لا يستطيع المشاهد التعاطف مع أحد، فنحن في حيادٍ تام رغم كل المعطيات والأحاديث التي نستمع لها كأنها بانوراما فيلمية لاستعراض الشخوص على الشاشة.

في طقوس القبائل القديمة يعبر الصبية الغابات ليصبحوا شبابًا، بينما في العالم المعاصر تعبر “أليس” البحر حتى تلاقي الموت، وهو ما يمنح الرحلة بُعدًا رمزيًّا، خاصة بعد تجميع “أليس” لأصدقائها القدامى للتقرب منهم أو تعويضهم عما تسببت فيه من ضرر، أو حتى توديعهم على طريقتها، لهذا يظهر الوداع واللقاء جليًّا داخل الفيلم، كما في مشاهد العشاء وتناول الطعام، التي تحمل رمزيتها.

بصريًّا اعتمدت الصورة السينمائية للمصور Peter Andrews على توظيف الألوان الدافئة والباردة بما يتلاءم مع الجانب الشعوري للشخصيات، محتفظًا برقي أماكن الأحداث، حيث الباخرة الفاخرة، كذلك اعتمد تباين اللقطات التي غلبت عليها لقطة الـclose up  Medium، وساعد مونتاج Mary Ann Bernard على تدعيم حالة الشاعرية التي يدعمها الفيلم على مدار أحداثه.

في أثناء تصوير الفيلم

صورة شاعرية لعلاقات متأرجحة

قدّم الفيلم منافسة تمثيلية هادئة جمعت بين حاملتي الأوسكار Meryl Streep, Dianne Wiest والمرشحة للجوائز Candice Bergen، وكذلك دور مميز لـ Lucas Hedges الذي ظهر في عدد من التجارب التمثيلية المميزة، وعمومًا تقاطع التمثيل في الفيلم مع حالة الصمت والحوار التي أتاحت للممثيلن إظهار قدراتهم التمثيلية وفهمهم للحالة الشعورية التي تحملها الشخصيات.

وتقاطع المخرج Steven Soderbergh في هذا الفيلم مع المخرج Paolo Sorrentino وفيلمه Youth عام  2015، في عالم ما بعد النجاحات والبحث عن معانٍ معنوية مثل الصداقة والذات ونظرة إلى العالم والمحيط العام، وهو ما ظهر كثيرًا على الصعيد البصري، والطابع الشاعري الذي غلب عليه، مع الاستعانة برمزيات لتوضيح ملامح العلاقات المتأرجحة بين الصديقات الثلاث: “أليس، روبيرتا، سوزان”.

صدر الفيلم عبر شبكة HBO كموزع للفيلم في ظل جائحة كورونا التي أطاحت بدور العرض وهو ما يغير من شكل التعاطي مع السينما عمومًا، ومع ذلك من المتوقع أن يكون للفيلم حظوظًا بجوائز الأوسكار القادمة خصوصًا في سياق التمثيل والسيناريو.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أمنية عادل

ناقدة فنية

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram