“الأطلال”.. أغنية عانقت الخلود

قصة ميلاد عسير مرت بها الأطلال حتى ظهرت إلى الجماهير، ربما عامان، وربما ثلاثة، تعرض خلالها النص إلى عملية جراحية كبيرة، غير معتادة في تدخلات أم كلثوم مع النصوص التي تنوي غناءها، فالسيدة كثيرا ما كانت تطلب من المؤلف تغيير كلمة أو كلمتين، وإذا كان النص لشاعر راحل، كما هو الحال مع إبراهيم ناجي، الذي غاب عن دنيانا في 27 مارس 1953، فإن أم كلثوم كانت تستعين بأحمد رامي، وتستشيره فيما تريد من تغيير، أو تكلفه بإدخال التعديل على الكلمة التي تثتثقلها غنائيا.. ولعل المثال الشهير لذلك، ما فعلته في قصيدة نهج البردة لأحمد شوقي، حين استثقلت لفظة “منتصت”، فاستبدل بها رامي لفظة “مستمع”، ليصبح البيت “لقد أنلتك أذنا غير واعية.. ورب مستمع والقلب في صمم”.

أما في الأطلال، فكان التغيير والتعديل هو الأكبر في تاريخ تعامل أم كلثوم مع نصوصها المغناة، فالكلمات المختارة أخذت من قصيدتين، بل من ديوانين من دواوين ناجي: قصيدة الأطلال من ديوان ليالي القاهرة، وقصيدة الوداع من ديوان وراء الغمام.. كانت أغلب المقاطع الشعرية رباعية، فقررت أم كلثوم ومستشاروها حذف بيت من كل مقطع لتصير مجموعات الشعر ثلاثية.. أما اللحن الجبار، فله حديث يأتي.

بدأ التغيير مع الاستهلال: يا فؤادي رحم الله الهوى، أصبحت يا فؤادي لا تسل أين الهوى، هو التعديل الثاني لهذا البيت، بعد أن سجلته أم كلثوم في الاسطوانة بصيغة “يا فؤادي أين أيام الهوى”.

في الرباعية الأولى حُذف البيت الرابع: “وبساطا من ندامى حلم.. هم تواروا أبدا وهو انطوى”.

وفي الرباعية الثانية، حذف البيت الثالث: “آه يا قبلة أقدامي.. إذا شكت الأقدام أشواك الطريق”.. وقد استلزم ذلك تغيير حركة لفظة “بريقا” من النصب إلى الجر، عطفا على لفظة “بفم” في قول ناجي “لست أنساك وقد أغريتني بفم…”

وفي الرباعية الثالثة غيروا “لك إبطاء الدلال المنعم” إلى “المدل المنعم”، كما غيروا “وحنيني لك يكوي أعظمي”.. إلى “يكوي أضلعي”، وحذفوا البيت الرابع: “وأنا مرتقب في موضعي.. مرهف السمع لوقع القدم”.

وفي المقطع الرابع الذي يبدأ بقوله “أعطني حريتي أطلق يدي”، حُذف البيت الرابع: ها أنا جفت دموعي فاعف عنها.. إنها قبلك لم تُبذل لحي”، ولأن قافية البيت المحذوف عبارة عن جار وجرور، ولا يجوز نصبها، اعتصم ناجي في الرباعية كلها بتسكين القوافي (يدي- شي- عليّ- لديّ) فلما تحررت أم كلثوم وفريقها من الجار والمجرور في قافية البيت الرابع، ساغ لهم إظهار نصب قوافي الأبيات الأبيات الثلاثة لتصبح (يديا- شيّا- عليا- لديا).

وفي الرباعية الخامسة غيروا “فيه نبل وجلال وحياء” إلى فيه عز، وأيضا حذفوا البت الرابع: مشرق الطلعة في منطقه.. لغة النور وتعبير السماء.
وكان الشعر في المقطع السادس يقول: “وأنا حب وقلب ودم”، فتغيرت إلى و”أنا حب وقلب هائم”، وحذف البيت الرابع: وسقانا فانتفضنا لحظة.. لغبار آدمي مسنا”.

أما الرباعية السابعة، فهي من ديوان وراء الغمام، وحُذف منها البيت الثالث: وتطلعنا إلى أنجمه.. فتهاوين وأصبحن لنا.

أما المقطع العاشر والأخير فبقي رباعيا كما هو، وغيروا قوله “لا تقل شيئا وقل لي الحظ شاء” إلى “لا تقل شئنا فإن الحظ شاء”.

وأبقت السيدة وفريقها على الرباعية الثامنة كاملة بلا حذف ولا تغيير، بينما غيرت في المقطع التاسع قول ناجي: أيها الشاعر تغفو، فصارت أيها الساهر تغفو، وحذفوا البيت الرابع: أو كل الحب في رأيك غفران وصفح.

وهكذا، يتضح أن التغيير الذي أجري على النص كان كبيرا جدا، وأيضا كان موفقا للغاية، فمعظم الكلمات المبدلة، والأبيات المحذوفة كانت غير سائغة غنائيا، ولا نغالي إذا قلنا إن نص الأطلال في صورته وبنيته التي غنتها أم كلثوم لم يعد خالصا لإبراهيم ناجي، بعد هذه المشاركة الكبيرة بالتغيير والتعديل والحذف عبر جراحة شعرية وأدبية كبيرة، يرجح أن تكون تمت تحت قيادة الشاعر الكبير أحمد رامي.

تلحينيا، فنحن أمام أحد أعظم الصروح التي اعتاد بنيانها ورفع قواعدها سيد ملحني القصيدة العربية رياض السنباطي، الذي جعل من قالب الشعر الفصيح الميدان الأكبر لإبراز عبقريته وسطوته على الكلمة والمعنى، مع قوة سبك ومتانة تأسيس غير معهودة في الغناء الحديث، ولا في هذا النمط من القصائد المطولات، أو الأغنيات التي تمتد مسرحيا لأكثر من ساعة.. فمتانة السنباطي من نوع مختلف عن المتانة القديمة المعهودة في ألحان عصر النهضة، لأن القصائد النهضوية كانت قصيرة نسبيا، وتتسم بقدر كبير من الوحدة المقامية.

أما القصائد في صورتها الحديثة، وطريقة العرض الكلثومي المطولة، وازدحامها بمقامات مختلفة فلها صورة أخرى من المتانة والقوة، إذ يراعي السنباطي خلالها العلاقة بين جمل المقطع الواحد، ثم يراعي العلاقة بين المقاطع المختلفة، وهو في هذه المراعاة بلغ ذروة لم يبلغها أحد، ليس في عمل أو عملين، بل في عشرات الأعمال، فالرجل لحن لأم كلثوم وحدها نحو 50 قصيدة، ومعظم شواهق الفصحى لسيدة الغناء كانت من نصيب السنباطي، ومن المهم أن نتذكر أن جميع ما شدت به السيدة من كلمات أمير الشعراء أحمد شوقي كان من ألحان رياض السنباطي.

ينسج السنباطي مقدمة موسيقية مرسلة تتسم بالتعقيد، فبالرغم من كون مقامها الرئيس هو الهزام، أو بالأحرى راحة الأرواح، إلا أن جملة الاستهلال جاءت بمقام الراست على درجة الدوكاه.. ثم تتوالى أجناس مقامات النهاوند والبياتي والحجاز والعراق، وصولا إلى الاستقرار التام على درجة السي نصف بيمول، تمهيدا للغناء بمقام راحة الأرواح.

يبدأ الغناء مرسلا، حتى قوله: أين في عينيك زياك البريق، ليدخل الإيقاع متزامنا مع لازمة موسيقية مهيبة تترتب فيها مقامات الكرد ثم البياتي ثم الصبا، ومنه يكون الغناء: يا حبيبيا زرت يوما أيكه.

في التمهيد للمقطع التالي تتصاعد ضربات الوتريات، مع جمل من النهاوند، لتنطلق الجملة المدوية: أعطني حريتي أطلق يديا، وعند “وما أبقى عليا” يتحول اللحن إلى الراست، حتى نهاية المقطع.

بعد ذلك نسمع لازمة من السوزناك ثم الراست، تمهد لغناء “أين من عيني حبيب”، مع جملة مطربة جدا لعبارة “واثق الخطوة يمشي ملكا”.

يكرر اللحن اللازمة السابقة قبل أن يعود السنباطي مرة ثانية إلى الإرسال، ويعزف القانون مقدمة تنتهي إلى مقام الكرد، تمهيدا لغناء “أين مني مجلس أنت به”، ومنها إلى الراست في جملة “ومن الشوق رسول بيننا.. ونديم قدم الكاس لنا”، ثم تكرر الجملة، مع تحويل إلى الهزام في لفظة “لنا” حيث يتوقف اللحن بطريقة التعليق، مدة ثانية أو ثانيتين، قبل إطلاق عبارة “هل رأى الحب سكارى” في مقطع يحتشد طربا والتهابا، لا تكاد الجماهير خلاله تستقر على مقاعدها.. ثم يعاد اللحن بنفس الأسلوب، مع تغيير لفظة “سكارى” من الهزام إلى البياتي، فيسكب السنباطي طربا على طربه.

تعاد اللازمة الموسيقية، ثم يتوقف الإيقاع، ويرجع اللحن إلى الإرسال، بمحاورة بين الآلات تنتهي إلى النهاوند، ومنه يدخل الغناء “وانتبهنا بعدما زال الرحيق”، ثم يدخل الحجاز مع عبارة “يقظة طاحت بأحلام الكرى”، ومنه إلى البياتي في “وإذا النور نذير طالع”.

تمهيدا للختام الدرامي، يرجع الإيقاع، ويعود اللحن إلى “الهزام” ويدخل الغناء: “يا حبيبي كل شيء بقضاء”، وصولا إلى القفلة النهائيا من جواب الهزام، على غير رغبة أم كلثوم التي كانت تريدها من القرار، لكن السنباطي أصر على موقفه، فتأجل تقديم اللحن لعامين أو ثلاثة، ثم أقنعها السنباطي بأن تؤديه مرة واحدة، فإن أعجبت النهاية الجمهور كان بها، وإلا غيرها إلى القرار، وبالطبع كان الإعجاب الشديد سببا لبقاء اللحن كما وضعه صاحبه.

حين اقترب الموعد، أصاب أم كلثوم بعض القلق، فقررت تأجيل “الأطلال” شهرا أو شهرين، ثم انتقل القلق إلى رياض السنباطي، فاقترح تأجيلا آخر، لكن أم كلثوم طمأنته، وذكرته بتاريخه الفني العريق.. كانت سيدة الطرب قد غنت “أنت عمري” في 6 فبراير عام 1964، فأحدثت دويا كبيرا، لم تكن أكثر أسبابه فنية صرفة، وإنما كانت الضجة لمجرد التقاء صوت أم كلثوم بألحان محمد عبد الوهاب للمرة الأولى، وقبل هذا التعاون بين عملاقي الغناء كانت أم كلثوم قد تعاونت مع بليغ حمدي ومحمد الموجي، ومن قبلهما مع كمال الطويل في ألحان لم تقدمها على المسرح.. اعتاد جمهورها على غناء أخف في كلماته وألحانه.. ومن بعد “أنت عمري” انحسرت مساحة الألحان السنباطية المسرحية لأم كلثوم، فلم تقدم قبل الأطلال إلا “أراك عصي الدمع” في ديسمبر عام 1964، وباقي الأغنيات كانت أعمالا وطنية إذاعية، منها أغنيتين للكويت هما “دارنا يا دار” و”أرض الجدود”، وكذلك غنت له “صباح جديد” و”حولنا مجرى النيل” و”يا حبنا الكبير”.

ومن غير ألحان السنباطي أطلقت أم كلثوم بين “أنت عمري” و”الأطلال” من الأغنيات المسرحية: “سيرة الحب” من ألحان بليغ حمدي، و”أنت الحب” من ألحان عبد الوهاب، وكانت غنت له عملا وطنيا هو “على باب مصر” حظي بعرض مسرحي، كما أطلقت “بعيد عنك” لبليغ، ثم أمل حياتي لعبد الوهاب، وكلها أغنيات ابتعدت عن “الفصحى” واشتملت على ألحان تداعب المزاج الجديد، المائل إلى الخفة والإيقاعات الراقصة.. وكل هذه العوامل كانت أسبابا لقلق السنباطي العائد بلحن بالغ القوة، ولنص فصيح لواحد من أعظم الشعراء.

وفي ليلة الخميس، الموافق 7 إبريل 1966، احتشد جمهور السيدة في مسرح دار سينما قصر النيل، وقدمت أم كلثوم في وصلتها الأولى “أمل حياتي” للمرة السابعة، وانتهت الوصلة، والجماهير في المسرح وحول أجهزة الراديو في حالة ترقب، ثم بدأ الإذاعي جلال معوض تقديم الوصلة الثانية، مبشرا بميلاد الأطلال، واستمر في تقديمه 15 دقيقة، تحدث فيها عن الشاعر الكبير الراحل إبراهيم ناجي، وعن عبقرية السنباطي وعراقته، واصفا إياه بالقابع في صومعته يستخرج لآلئ الفن.. ثم انفرج الستار، وبدأت الفرقة في عزف المقدمة المهيبة، بينما سكن الجمهور وهو يتلقى هذا الجلال الصارم المعبر.

كان غناء أم كلثوم في الأطلال يجسد عظمة هذه السيدة، التي بلغت حينها 67 عاما، وفقد صوتها بحكم الزمن بعضا من بريقه وسرعة ذبذباته، لكنها كانت تعوض بخبرتها كل نقص يطرأ على صوتها.. من ذلك: غناؤها “يا فؤادي”.. كانت هذه اللفظة كافية ليدرك المستمعون أنهم أمام عمل من الشواهق الكبيرة، لقد ملأت اللفظة جلالا وعمقا.. ومن ذلك قفلتها الحراقة المليئة في “والتواني جمرات في دمي”، وفي بعض الحفلات لا تكاد الجماهير تصبر، فمع لفظة “الجمرات” ينفجر الصياح المدوي.. ومن ذلك أداؤها لـ “آه من قيدك أدمى معصمي”، تلك الآهة المتوحشة التي تكاد تبتلع المسرح من قوتها وعمقها وتعبيرها.

وأيضا نذكر أداءها للفظة “حائر” باهتزاز يحمل معاني الحيرة والانتحاب، ثم امتلاء صوتها بالفرحة والنشاط مع “هل رأى الحب سكارى”، وتغيره إلى الأسى والانقباض مع و”انتبهنا بعدما زال الرحيق”، ثم العنفوان والقوة وهي تعلن النهاية التي فرضتهاالأقدار: لا تقل شئنا فإن الحظ شاء.

غنت أم كلثوم الأطلال أول محافلها في مدة ساعة ونصف تقريبا.. كان وقع اللحن على الجماهير مزيجا من الانبهار والصدمة.. ويلحظ المستمع الواعي مسحة خفيفة من الارتباك، تنتاب أم كلثوم أحيانا، وتنتاب فرقتها أحيانا أخرى، بل وتصيب الجمهور، الذي كان يتأخر تصفيقه ولو لثانية واحدة، وهو أمر غير معتاد.

أحدث لحن الأطلال ضجة كبيرة، وتسلطت الأضواء بقوة على رياض السنباطي، بالرغم من جمال الكلمات، وعظمة أداء أم كلثوم، إلا أن الأوساط الفنية اعتبرت أن السنباطي هو صاحب البطولة الأولى في هذا العمل.. تأكد للمهتمين بفن أم كلثوم وبفن التلحين عموما أن الغياب النسبي للرجل خلال العامين الماضيين لم يكن معناه أن زمن القصائد الرصينة قد ولى، وأن اتهام الجماهير بالميل إلى الخفة والاستسهال ليس في محله، وأن المتلقي يقدر من يحترمه.. لم يكن رد الفعل الجماهيري الصاخب على الأطلال “هوجة” مؤقتة، كما يحدث في كثير من الألحان التي تولد بضجيج كبير ثم ما تلبث أن تنزوي في جوانب النسيان.

أم كلثوم تغني الأطلال على مسرح قصر المنزه بتونس

ظلت الأطلال مطلبا جماهيريا، فغنتها أم كلثوم أكثر من 20 مرة، وأصبحت بندا ثابتا في حفلاتها خارج مصر، فشدت بها في باريس والمغرب وتونس وليبيا والكويت وبيروت والخرطوم.. وظلت تسجيل الأغنية يحقق أعلى المبيعات لمدة تجاوزت ربع قرن.. وبعد هزيمة يونيو 1967، حمل بعض الكتاب كلمات الأغنية معاني سياسية، اعتبروا أن تجربة المد القومي كانت “صرحا من خيال فهوى”، وفهموا هتاف “أعطني حريتي أطلق يديا” باعتباره صرخة ضد القهر والاستبداد، فكانت ردود فعل الجماهير تصل حد الصراخ كما نسمع في حفل مسرح الأوليمبيا، الذي أحيت أم كلثوم عليه حفلين، وكررت الأطلال في الحفل الثاني بناء على رغبة الجماهير.. لم يزد مرور السنوات والعقود الأطلال إلا رسوخا وانتشارا وإعجابا بين الجماهير العربية.. وعام 1999، اختارت جريدة “لومند” الفرنسية الأطلال ضمن أهم مئة عمل فني وأدبي شكلت ذاكرة القرن العشرين على مستوى العالم.

بمشاركة

خريطة تفاعلية

محمود الطباخ

mahmoud.eltabakh@zatmasr.com

جرافيك ورسوم

أحمد بيكا

becasoo568@gmail.com

قصــة

هيثم أبوزيد

haitham.abozeid@zatmasr.com

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search