“Parasite”.. للفقر رائحة تحصد الجوائز

في ليلة تاريخية، حصد الفيلم الكوري parasite/ طفيل جوائز أوسكار: أفضل فيلم (جائزة أكاديمية فنون وعلوم السينما الأمريكية) الرئيسية، وأفضل مخرج، وأفضل سيناريو أصلي، وأفضل صورة.. وهو أول فيلم غير ناطق بالإنجليزية في تاريخ الأوسكار يفوز بجائزة أفضل فيلم، وجائزة أفضل فيلم دولي التي كانت تسمى “أفضل فيلم أجنبي”، وهو أيضا أول فيلم منذ ستينات القرن العشرين يحصل على الأوسكار بعد فوزه بسعفة كان الذهبية، والجولدن جلوب والبافتا.. كل هذا ألقى أضواء كثيفة على الفيلم، لنكتشف أنه نال من قبل عددا من الجوائز المحلية والآسيوية.

وأمام مئات الملايين من المتابعين لفي أرجاء العالم، وقف المخرج الكوري الجنوبي بونج جون، ليلقي كلمته بعد أن تسلم الجائزة، قائلا: ظننت أن الأمر انتهى، ويمكنني أخيرا أن أسترخي، لكن سرعان ما تم الإعلان عن فوز الفيلم بجائزة أفضل سيناريو أصلي.. إننا لا نكتب أبدا لتمثيل بلادنا، إلا إنها أول جائزة أوسكار لكوريا الجنوبية.

المخرج بونج جون

اكتسح الفيلم المنافسة الشرسة أمام رائعة كوانتين تارانتينو once upon a time in Hollowed متخطيا فيلم شخصية الكوميكس الشهيرة “الجوكر”، وفيلم المافيا والجريمة Irishman/ الأيرلندي، لمارتين سكورسيزي وهذا المخرج الكبير هو أحد معلمي المخرج بونج جون، الذي توجه في كلمته لأستاذه قائلا: عندما كنت طالبا أدرس السينما تأثرت بجملة مارتن سكورسيزي إن الأكثر ذاتية هو الأكثر إبداعا، درست أفلام سكورسيزي ومجرد الترشح شرف عظيم”.

أفراد عائلة فقيرة تناضل من أجل البقاء وسط مجتمع يتسم بالفجوة الهائلة بين طبقاته ويعاني من البطالة والتفاوت الكبير في الدخل فيلجؤون إلى استخدام الألعاب الخادعة التي مثلت لهم فرصة سانحة للتدخل في حياة أسرة ثرية، ويحصلون على الوظائف المختلفة لديها، لكن حياتهم تزداد قتامة، مما يجعل يجعل مسار قصة الفيلم غير متوقع، وعبر خطوط سردية تنطلق الأحداث إلى ذروتها بحرية نطلاقا لا يوقفه شيء.

لقطة من الفيلم

ومن خلال سلوك الأسرة، نكتشف أن في هذا العالم خطا أسفل من الفقر بمراحل عديدة، فأفراد العائلة يشتغلون بأعمال غير واضحة، تستعصي على التصنيف، مثل إعادة فرد صناديق البيتزا المستخدمة وطيها لبيعها إلى المطاعم مجددا، والأب كي-تايك/ كانج هو سونج عاطل عن العمل، والابن كيم كي ووه/ وو سيك تشوي، يرغب في تعليم جامعي ويسعى إلى حياة أفضل بتعلم اللغات الأجنبية، مما يمكنه أن يكون السبب في التحاق أفراد عائلته بالعمل عند أسرة “بارك” عبر تدريس اللغة الإنجليزية لابنتهم الكبرى، التي كانت على علاقة عاطفية بصديق كيم كي-ووه، لتلتحق شقيقته بالعمل لدى الأسرة الثرية نفسها معلمة للفنون والرسم، ثم يتبعها الأب ليعمل سائقا خاصا لرجل الأعمال الثري رب أسرة “بارك” بعد أن نجحت خطة كي-جانج ابنة أسرة “كيم” في تدبير مكيدة أخلاقية للسائق بغرض إتاحة الفرصة أمام والدها للحصول على الوظيفة.

 ولم تتوقف عائلة كيم عن الخداع وتدير المكائد، فكانت ضحيتهم التالية هى مديرة المنزل التي تم زعموا إصابتها بمرض السُل، بعد أن تعرفوا على نقطة ضعفها متمثلة في الحساسية من فاكهة الخوخ التي تكتم رائحته أنفاسها فتسعل بشدة.

وهكذا، صار كل أفراد أسرة كيم كأذرع أخطبوط تحيط بأسرة بارك وتتغلغل في خلاياها كسرطان قاتل يدمر الأسرتين، ولا تتضح حقيقتهم إلا مع اكتشاف سر مخبأ في قبو المنزل.

استطاع الفيلم أن ينقل رسالة مهمة عن الانقسام الطبقي، واتساع الفجوة بين فقر مدقع وثراء فاحش، حيث يظهر ذلك في مشاهد متباينة بين منزل أسرة كيم التي تعيش في قبو إحدى البنايات المتهالكة، ولا تطلع عيونهم من النافذة إلا على أقدام المارة وأحيانا تبولهم على زجاج نافذتهم الزجاجية التى ترتفع عن الأرض عدة سنتيمترات فقط، في حين أنهم قضوا وقتا ليس قليلا في جنة عائلة “بارك” وكأنهم مُلاك المنزل، لاسيما أثناء سفر العائلة الثرية للاحتفال بعيد ميلاد ابنهم الأصغر، حيث تتوالى مشاهد الترف من خلال النافذة الواسعة التي تطل على حديقة المنزل الوارفة والسماء الزرقاء والأمطار التي تثير البهجة في نفوسهم.

مظاهر البؤس كان لها رائحة، اتسم بها أفراد عائلة “كيم” وقد لاحظها “بارك” وأفصح عنها لزوجته متعجبا، فقد اتخذ الفقر رائحة القبو المغلق، وسائل التنظيف الرخيص الذى تثبت رائحته في الملابس حتى تصبح جزءا من هوية الشخص ويمكنك التعرف عليه من خلال رائحة العطن التي تفوح منه.. مما يجعل المشاهدين يقفون في منطقة رمادية، لا يستطيعون معها تحديد مشاعرهم نحو العائلة الفقيرة تعاطفا والتماسا للأعذار وتفهما لاضرارهم إلى الخداع، أو اعتبارهم أشرارا يستحقون المحاكمة والعقاب بلا رحمة أو شفقة.

لا يخلو فيلم parasite / الطفيل من الفكاهة في عدة مشاهد محبوكة كمثل التي يشعر فيها المشاهدين بالارتباك في مشاعرهم تجاه عائلة “بارك” الطيبة وبين الصياح لأحد أفراد عائلة “كيم”  ليلتفت إلى الخلف لأن “بارك” سوف يكشف خدعته.. أو في مشهد عودة الزوجين بارك إلى منزلهما ليضطجعا على الأريكة المتصدرة نافذة الحديقة ويغطان في نوم عميق بعد أن مارسا الجنس الخفيف تحت نظر وسماع عائلة كيم المختبئين كلهم أسفل طاولة الصالون يكتمون أنفاسهم ويخافون أن تفضحهم رائحتهم، أو مشهد الافتتاحية عندما يببحث أفراد عائلة كيم عن مكان تتوفر فيه شبكة الإنترنت التي يعتبرونها المنفذ الوحيد لمعرفة الحياة خارج قبو تحت أرض المدينة، أو عندما تحاول الأم إصلاح صناديق البيتزا الكارتونية لبيعها مرة أخرى ولا تنجح في مهمتها، أو سرعة الابنة في تزوير الشهادات الجامعية لها ولأخيها وشهادات الخبرة لوالدها كسائق محترف بالرغم من بدئه تعلم قيادة السيارات بعد ساعات من تلقي عرض الوظيفة.

  • بوستر الفيلم- الفوز بالسعفة الذهبية

للسينما في كوريا الجنوبية مكانة كبيرة وشهرة واسعة عالميا، وأيضا لها نصيبها من حصد الجوائز في مهرجانات عالمية.. ومن الأفلام المهمة في كوريا الجنوبية التي حصلت على جوائز مهمة فيلم “ربيع صيف خريف شتاء وربيع” للمخرج كيم كي-دوك الحاصل على جائزة أفضل فيلم في مهرجان بانكوك الدولي، وجائزة مهرجان فينيسيا لعام 2005 وفي استطلاع رأي أُجري من قبل هيئة الإذاعة البريطانية” BBC” في عام 2016م حول أكثر الأفلام المؤثرة بصريا على المشاهدين.. كما حصل الفيلم الكوري “هان كونك جو” للمخرج لي سو-جين على جائزة النجمة الذهبية وهي الجائزة الكبرى للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش عام 2013، وكان المخرج مارتن سكورسيزي رئيس لجنة تحكيم المهرجان في دورته الثالثة عشر، وقد عبر عن سعادته بهذا المستوى الراقى من الأعمال السينمائية.. وبالرغم من شهرة سينما كوريا الجنوبية وحصولها على جوائز  آسيوية وأوروبية وعربية، إلا إنها المرة الأولى لها في الفوز بجوائز الأوسكار، بل بأربعة منها دفعة واحدة على يد “المخرج بونج جون”.

قصــة

نرمين يسر

There are no reviews yet.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *



Start typing and press Enter to search