زوايا

PUBG وأخواتها.. جرعة ديجيتال من اللامساواة

في أواسط العام الفائت تعاونت لعبة “فورتنايت” Fortnite، وهي واحدة من ألعاب “الباتل رويال” Battle Royale، مع الرابر الأمريكي ترافيس سكوت لطرح أغنيته “Astronomical” من داخل اللعبة –سبق للعبة أنْ تعاونت مع مارشميلو ولاحقًا مع فرقة BTS الكورية.

كان هذا الحدث علامة فارقة على ما يمكن للتكنولوجيا أنْ توفره لنا، ففي حين كان العالم محبوسًا خلف الأبواب المغلقة، احتفلَ أكثر من 12 مليون شخص بهذه الأغنية عند انطلاقها ورقصوا على أنغامها داخل اللعبة، واليوم تسجل أكثر من 125 مليون مشاهدة على يوتيوب.

ترافيس سكوت

الجميع ضد الجميع.. بلا هدنة

راجت ألعاب “الباتل رويال” بشكل دراماتيكي مع عام 2017، ولعل أشهرها في منطقتنا لعبة “بابجي” PUBG.. في هذه الألعاب، يَحُطُّ اللاعب ومعه 99 لاعبًا آخرين على جزيرةٍ معزولة تحتوي على العديد من الأسلحة واللوجستيات، مع هدفٍ واحد يتمثل في قتل الجميع والبقاء حيًا ليكون الناجي/الرابح الوحيد، على عكس أسلاف هذا النوع من الألعاب، حيث يتمثل الهدف في البقاء حيًا دون ضرورة القتل.

وبصرف النظر عن وجود أنماط لعب مختلفة وتحديات متعددة توفرها اللعبة، فإنَّ نمط الناجي الوحيد هو النمط الأكثر لعبًا بين اللاعبين “الجيمرز”.

يتخذ هذا النوع من الألعاب اسمه من فيلمٍ ياباني من إخراج كينجي فوكاساكو بعنوان Battle Royale عن رواية تحمل الاسم نفسه لكوشون تاكامي. تجري أحداث الفيلم بعد تعرقل التنمية الاقتصادية في البلاد، وما يرافق ذلك من قلق وتهديدات، وخيبة الجيل القديم ومآزقه وأزمة الثقة عند الجيل الجديد الشاب.

فيلم Battle Royale

تسن الدولة قانون “الباتل رويال” بهدف تأديب الشباب غير الجيد، طلاب المدارس الإعدادية/الوسطى تحديدًا.. يقع الاختيار على طلابٍ من صفٍ إعدادي ويُقتادون مخدرين في أثناء رحلتهم المدرسية/ التي يتحول مسارها إلى جزيرة معزولة تحرسها القوات المسلحة، حيث ستدور أحداث الفيلم كلها، وتُشرَح لهم قواعد التجرية الجديدة.. هناك، على هؤلاء الأصدقاء القدامى القتال ضد بعضهم في معركة لا رحمة فيها مزودين بأسلحة اختيرت عشوائيًا ويحيط بأعناقهم سوار إلكتروني قابل للانفجار.

يتقاتل الجميع ضد الجميع والهدف أنْ يبقى ناجٍ وحيد يربح العودة إلى منزله. وفي كل ست ساعات تُعلَن أسماء القتلى وأرقامهم، وتحدَّد مناطق خطِرة يُعد البقاء فيها مميتًا، إذْ سينفجر السوار المحيط بعنق اللاعب/الطالب ليُرديه قتيلًا. تكفينا هذه اللمحة عن الفيلم للقول بأنَّ هذه الألعاب قد اتخذت من الفيلم اسمه، بل ومصدر إلهامٍ حاكته حتى على الصعيد المشهدي.

لعبة PUBG

بين اللعبة والواقع

كتب برندان ماكي Brendan Mackie مقالةً نشرتها لوس أنجلوس ريفيو أوف بوكس تتناول هذا النوع من الألعاب وعلاقتها بـ”حكم الأكثر جدارة” Meritocracy.

تستند مقاربة ماكي على مقارنة عالم اللعبة بعالم الواقع.. في اللعبة هناك ناجٍ وحيد من أصل 100 لاعب، وهذا يحيله إلى أنَّ 1% هم أصحاب السيطرة والتسيُّد، فيما الـ99% الباقون لا يحصلون على شيء، كما في عالمنا الواقعي.

لكن على عكس الواقع، تعرض هذه الألعاب ما يجري في الواقع بشكلٍ عارٍ وبأخذه إلى مداه الأقصى، فأنت تتقاتل مع الجميع وعدوك واضح، ولكي تربح اللعبة “اقتل الآخرين!”.

في اللعبة أيضًا، كما في الواقع، تجري منافسة لا هوادة فيها بين الجميع لغرض واحد، هو البقاء حيًا.

تدخل حجة “حكم الجدارة” من باب أنَّ اللاعبين في اللعبة متساوون، لا فرق بينك وبين أي لاعب آخر، فاللعبة مُنصِفة “عادلة” في النهاية.

فالأسلحة موزعة عشوائيًا وبإمكانك الهبوط في أي مكان على الجزيرة، وجميعكم تتمتعون بالمؤشرات الحيوية نفسها، وبإمكانك الحصول على التحديثات كأي لاعبٍ آخر، وما إلى ذلك.

ما يميّز لاعبا من لاعب هو جدارته، قدرته على تطوير واستغلال مهاراته –مع الحظ أحيانًا– للنجاة في هذا العالم الافتراضي. وإلى جانب ذلك، يدخل اللاعب إلى اللعبة، مثل مثله باقي اللاعبين، واثقًا بأنَّه سيكون من الـ1% هذه المرة.

ينتهي ماكي إلى الاستنتاج بأنَّ هذا النوع من الألعاب هو التمثيل المناسب لوقتنا الراهن، حيث اللا مساواة وحكم القلة ووعود المنظومة بالنجاح والتقدم عبر الجد والعمل والإبداع، وأنَّك في حال كنت من المحظوظين ستحتل مقعدك في نادي الأغنياء لا كمجرد ناجٍ بل كرابح.

يتطابق عالم اللعبة مع مجتمعنا الرأسمالي، لا في سير اللعبة وقواعدها وقيمها وخلاف ذلك، بل وفي قدرتك على تحصيل أفضليةٍ مسبقة على باقي اللاعبين في حال دعمْتَ جهازك بإضافة أجهزة طرفية خاصة بهذا النوع من الألعاب، Kits، تمكنك من أداء عدة وظائف (كالتصويب والتحرك وإطلاق النار في آن) دون بذل جهدٍ كبير مقارنة مع الوضع العادي، كما يمكنك الاستعانة ببرمجيات قرصنة تساعدك على الفوز.. لن يكون الأمر ممتعًا ومحققًا للرضا على أمثل وجه، لكنه على أي حال يفي بالغرض.

هكذا، يكون عليك الاستثمار في نفسك وتطوير مهاراتك –في اللعبة كما في الواقع– لكي تكون الناجي/الرابح. فيما لو بقيت لاعبًا عاديًا، ستكون محط سخرية باقي اللاعبين، وسيلاحقك شعور بالفشل وعدم الإنجاز.

وفي حال لعبت ضمن فريق (سواء ثنائي أو رباعي) سيكون أقصى ما تتمناه أنْ يكون زملاؤك محترفين، وأقل ما تتمناه ألا يحتوي فريقك على لاعبٍ “سيئ” (ضعيف المهارة)، فهذا يعني الخسارة باحتمالية كبيرة.

وبالتالي، تعزز هذه الألعاب أوهاما كبرى عند اللاعب تجعله يصنع عبرها أسطورته الخاصة.

لتوضيح هذه النقطة فلنقارن اللعبة مع المنافسات الرياضية: لو انتصرت في لعبة الشطرنج على منافسك فهذا يعني أنَّك على الصعيد الاستراتيجي وحساب الاحتمالات والتخطيط والتنبؤ أفضل من خصمك، الأمر نفسه في كرة القدم، فاللاعب الأفضل هو الأفضل مهاريًا وجسديًا وتكتيكيًا.

لكن مع ألعاب “الباتل رويال” يصعب تحديد المجالات التي يتميز بها اللاعب من خصومه المغلوبين، فتكون الإجابة أنَّه أفضل في كل شيء، ولو أردتَ تحسين مستواك في هذه الألعاب ماذا تفعل؟.. العب أكثر.

ما يجعل اللعبة جذّابة وتحظى بهذا القدر من الانتشار العالمي، يقع في مجموعة عوامل منها أنك تلعب ضد لاعبين آخرين لا ضد الذكاء الاصطناعي (أو ضد الكمبيوتر)، يعدك هذا بالكثير من المتعة والمواقف والأحداث غير المتوقعة والتفاعل مع الأقران (وهم التفاعل).

يتمثل العامل الثاني في طبيعة اللعبة المتطورة على الدوام وغير المتوقعة، ففي كل مواجهة، Game، يمكنك اتخاذ قرارات مختلفة وتجريب أشياء جديدة ومواجهة منافسين مختلفين، مع جرعة التحدي الكبيرة المتمثلة في قتال 99 لاعبًا آخرين، يغدو الضغط على “لعب مرة أخرى” إدمانًا سلوكيًا.

أما العامل الثالث فيتمثل في المهمات والتحديات وإمكانية تصميم شخصيتك لتعبِّر بها عن نفسك، وأنْ تصنع لك اسمًا في أوساط مجتمع الجيمرز.

العامل الرابع يكمن في تطور نمط جديد من مفهوم اللعب مختلف عن الأنماط السابقة، حيث كان اللاعب في حال خسارته يعيد اللعب مجددًا من البداية بعد فقدانه لكل ما حصل عليه خلال اللعبة.. الجيل التالي طوَّر هذه النقطة باختراع نقاط الوصول، Checkpoints، حال خسرت تُعيد من آخر نقطة وصول بلغتها.

مع الباتل رويال طوِّرَت هذه النقطة لتغدو بلا أي أهمية، حيث إنَّ حسابك سيحفظ لك كل ما تنجزه في سجل ذي تصميم جذاب، مع إحصائيات شديدة التفصيل، وحتى في حال خسرت ستحصل على مكافآت لقاء المهمات اليومية (وهم الإنجاز).

أما العامل الخامس فنجده مع الظاهرة الجديدة المتعلقة بالبث المباشر Streaming، وتبني منصات عدة لها، فأرقام المشاهدات تتجاوز مئات الملايين على منصة “تويتش” Twitch وما يفوق ذلك على منصة “يوتيوب”، ومؤخرًا أضاف “فيسبوك” قسمًا مخصصًا لهذا البث.

يوفر العامل الأخير دخلًا ماديًا كبيرًا للستريمرز، كما يساعد الشركة المصممة للعبة على الانتشار بشكل أكبر.

نموذج لألعاب Battle Royale

أبطال الديجتال

يستعين كينت آردسِ Kent Aardse باستعارة “وادي الغرابة” Uncanny valley لمقاربة الألعاب الإلكترونية من زاوية التحليل النفسي، ليطعن في الرواية السائدة عن العلاقة بين العنف والألعاب الإلكترونية.

فحسب آردسِ، عالَم اللعبة هو عالم يضج بالغرابة ويطرح نفسه أمام اللاعب بوصفه عالمًا خياليًا، وهذه الخيالية/الغرابة تحديدًا هي ما تجعل اللاعب يميز بينها وبين العالم الواقعي، فيفصل بينهما.. بذا، تسمح لنا هذه الألعاب بممارسة العنف مع إدراك أنَّه عنف ضمن حدود اللعب لا أكثر، إنَّ اللعبة ليست واقعًا، ثمَّة حدود تفصل بين العالمين.

فيمكننا أنْ نقتُل ونُقتَل وهكذا دواليك مع الإبقاء على مسافة بين العالمين –طبعًا ليس من الصعب ملاحظة تسطيح الشعور الإنساني بالآخر وقيمته عند مقاربة آردسِ هذه، وكيف أنَّ اللاعبين يهتمون بالسلاح وقوته والإصابات القاتلة والإصابات التي تسبب أضرارًا أقل وابتذال موت الآخر لقاء مجموعة نقاط أو Chicken dinner.

لكن عالمَيْ آردسِ ليسا مستقلين عن بعضهما، وآثارهما النفسية على اللاعب واقعة بلا شك.. فبعد انتشار منتديات اللاعبين وظهور البث المباشر وما يحظى به من متابعة عند جمهور عريض، لم يعد اللعب للتسلية، بل صار مهنة.

ففي مقابلة على سبوتنيك يصرح واحد من أشهر الجيمرز العرب “أبو خليل” بأنَّ “بابجي ليست لعبة، بل مهنة أكسب منها رزقي، فأنا أقضي من 8-10 ساعات في اللعب مثل أي موظف في أي شركة.. لكن اللعب أفضل من العمل في شركة، إذْ يسمح لي بالبقاء في البيت مع العائلة”.

ينسى أبو خليل أنَّه في أثناء اللعب لا يمكنه إيقاف اللعبة مؤقتًا، وينسى أنَّه عند اللعب يكون في البيت وفي اللعبة في الوقت نفسه، أي أنَّه هنا وهناك، أي مفارقة وجوده في مكانين مختلفين في آن، ويصب تركيزه على اللعبة، لا على العائلة.

ويتَعقَّدُ التشابك أكثر مع دخول البث المباشر واللقاءات التنافسية التي تقيمها الشركات، حيث إنَّ الجيمرز يكتسبون بهذه العملية إحساسًا بالإنجاز والقيمة والاستحقاق.. من جهة تسير مجتمعاتنا لتكامل أكبر بين الإنسان والتكنولوجيا، لنصبح “سايبورجات” (كائنات معززة بالتكنولوجيا)، ومن جهة أخرى فهؤلاء الجيمرز المحترفون ممن قهروا خصومهم وتفوقوا عليهم في السيطرة والتحكم بالآلة والتعامل معها، هم بشكلٍ ما نذير هذا “السايبورج”، أبطال الزمن القادم.

حيث إنَّهم يستطيعون إنجاز أشياء لا يمكننا القيام بها، كأن تقتل 60 لاعبًا آخر في جولة واحدة، بمفردك، على سبيل المثال، وينظرون إلينا (من لا نلعب مثلهم) على أنَّنا أقل مرتبة، وأكثر تخلفًا.

ومع ما تصله من مهارة ومتابعين، وما يحققه لك ذلك من دخل مربحٍ، تغدو منتميًا أكثر لعالم الديجتال هذا وبطلًا من أبطاله، يشاهد مباراياتك وجولاتك الملايين حول العالم وينتظرون ما ستقدمه من تحديات جديدة لتلبية عطش الجمهور، وفي الوقت عينه خاضعًا لما تبيحه اللعبة وما تحظره، فتصير من جهة سيدًا وخاضعًا في علاقة سادومازوخية.

العنف في بابجي

خاتمة

إذًا، بالعودة إلى حفلة “ترافس سكوت” نجد أنَّ التكنولوجيا قد توفر لنا تجارب جد عظيمة، وما وفرته لنا خلال الوباء يشهد على إمكانية مستقبلٍ (وحاضرٍ فيما لو استُغِلت لخدمة الناس فعلًا) نتجاوز فيه حدودنا الحالية وخوض تجارب لا تنسى.

لكن هل نحتاج فعلًا إلى ألعاب باتل رويال لتعزز لدينا العنف أو قيم الرأسمالية والفردانية؟ في الحقيقة لم تمانع الشركة المُنتِجة للعبة PUBG من تعديل النسخة الصينية لتناسب التوجهات الفكرية للحكومة الصينية.. بذا، يغدو التأمل الثقافي حيال هذه الظاهرة مسألة جانبية لا جوهرية.

فهذه الشركات يهمها في نهاية الأمر تحقيق أرباح، ونمو مستمر في أعداد اللاعبين ومتوسط وقتٍ أكبر يقضيه المُستَخدِم (في الحقيقة المُستخدَم) على اللعبة بما ينعكس على قيمتها السوقية، ولو كان تمجيد البلشفية سيأتي بالأرباح، سيمجدونها.

لذا، من الأجدر مساءلة نموذج الأعمال في هذه الصناعة والصراع بين أطرافها ودورها في مراكمة الفوائض وتحريك رؤوس الأموال، مع الأخذ بالحسبان نمط عملها الذي يستند بالأساس على النمو المستمر والتجديد وما يخلقه ذلك من ضغوطٍ تنافسية مهولة.. وقد تكون هذه النقاط موضوع بحثٍ لاحق.

علاء بريك

كاتب ومترجم سوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى