The midnight sky

كيف تدمرنا العزلة؟

رجل مُسن غزا الشيب رأسه ولحيته، يعلم جيدًا أن القدر لن يمهله وقتًا أكثر مما عاش في الماضي، لكنه غير مستعد للنهاية بعد، فيقرر أن يقدم على مخاطرة تمنحه سببًا للعيش وفرصة للبقاء حتى النفس الأخير في المكان الذي أفنى فيه حياته. 

هكذا تتكشف ملامح شخصية الرئيسة (أوجستين لوفتهاوس) في فيلم The Midnight Sky. وهكذا أيضًا يتخيل الممثل جورج كلوني نفسه في السنوات المقبلة من عمره، فقد بات خائفًا من تقدم العمر وما يفعله بالممثلين، وأدرك أن عليه البحث عن حلم جديد ليستمر في الصناعة التي تمتد علاقته بها عبر 4 عقود. 

الإخراج يشبعني أكثر من التمثيل. عندما بلغت الخمسين، نظرت إلى نفسي على الشاشة وقلت: لم أعد مثلما كنت في الأربعينات.. لن يرغب أحد في مشاهدتي أؤدي مشهدًا حميميًّا بعد الآن”.. فمن حين لآخر يدلي كلوني، 59 عامًا، بمثل هذه التصريحات التي تكشف عن استمتاعه بالوقوف خلف الكاميرا أكثر من أمامها. 

ويبدو أنه منذ أولى تجاربه الإخراجية عام 2002، وضع خطة زمنية تساعده على إنجاز فيلم كل 3 سنوات بالضبط، إلى جانب أداء أدواره التمثيلية الأخرى، ليثبّت قدميه كصانع أفلام لديه مسيرة تصل إلى 7 أعمال سينمائية مع طرح The Midnight Sky على منصة نتفليكس العالمية مؤخرًا.

ينتمي الفيلم، المأخوذ عن رواية “صباح الخير، منتصف الليل”، إلى نوعية أفلام “ما بعد نهاية العالم” التي لقيت رواجًا بعد انتشار وباء كورونا، لأنها تساعد المشاهد ربما على تقبل الواقع بنحو أكثر مرونة، بالإضافة إلى أنها تمنحه الشعور بالطمأنينة لكونه بعيدًا عن الأهوال المعروضة على الشاشة. 

تصف هذه الأفلام الحياة بعد وقوع الكارثة عندما يصير الإنسان وحيدًا وفي حالة بحث دائم عن صحبة، خاصة مع تنامي خوفه من المستقبل المجهول.  

جورج كلوني
العزلة والزمن الاعتباري

العزلة تيمة أساسية تغلب على حالة الفيلم الذي يتجنب صناعه تسمية “كارثة” لحقت بالبشرية وكوكبها، وينصب اهتمامهم على تصوير أثر الصمت القاتل وانقطاع التواصل مع الآخر على العقل والروح.. 

يعتمد السرد على خطين متوازيين:

الأول يروى حكاية العالِم (أوجستين) الذي لم ينتمِ في حياته إلى أي مكان سوى مقر عمله، ولم ينشغل بالبحث عن حياة مستقرة إلا على كواكب أخرى بديلة للأرض. 

لذلك يبقى بمفرده في مرصد بالقطب الشمالي يحاول تنبيه البعثة العائدة من الفضاء بأن تُغيّر مسارها حفاظًا على الأرواح، ويخوض من أجل هذا الهدف رحلة قاسية يصارع فيها الطبيعة الموحشة. 

والخط السردي الثاني يتناول رواد بعثة الفضاء الذين يحاولون العودة إلى الأرض، دون علم بما حدث، بعد رحلة استمرت لمدة عامين اكتشفوا خلالها قمرًا يصلح للعيش، لكن القلق يغلب عليهم أكثر من السعادة بالإنجاز العظيم لعجزهم عن تلقي أو إرسال أي إشارات مع وكالة ناسا.

يهتم كلوني، في غالبية أفلامه، بتحديد عنصر الزمن بدقة، لأنها عادة ما تقع في فترة تاريخية مميزة، ويتنقل بين أزمنة الفيلم المختلفة ليكشف تداخل الأحداث وترابطها بنحو معبر عن طبيعة الشخصيات وأبعادها.

كلوني في فيلمه Confession of a Dangerous man

فمثلاً في عمله الأول Confession of a Dangerous man يقفز بين فترات مختلفة من حياة المذيع “تشاك باريس” ليروي قصته التي تجمع بين عالم الإنتاج التليفزيوني والقتل المحترف لصالح المخابرات الأمريكية. 

وفي فيلمه الثاني Good Night, and Good Luck الذي يرتكز على سلسلة حلقات أنجزها المذيع إدوارد مورو تكشف مساوئ الحقبة المكارثية يعتمد على بناء سردي مرتبط بأعوام محددة في الخمسينات.

أما فيلمه الجديد الذي تقع أحداثه عام 2049، فيلعب الزمن الاعتباري دورًا كبيرًا في الحكاية لأنه يتيح للشخصيات التنفيس عما فعلته العزلة بهم. 

يحتوى The Midnight Sky على 3 أزمنة واضحة: 

زمن حاضر يرتبط بالرحلتين، رحلة العالم الخطرة بهدف التواصل مع البعثة ورحلتهم للعودة إلى الأرض. 

وزمن ماضٍ هو “فلاش باك” نراه من وجهة نظر العالم يسترجع ذكرياته في الشباب حينما أدار ظهره للحب والأبوة حتى يواصل تحقيق أمجاده الشخصية.  

وزمن ثالث اعتباري، هو زمن الأحلام والهلاوس وصور المحاكاة للذكريات، الذي يعكس أفكار وهواجس كل شخصية.

يوظف كلوني الزمن الاعتباري ليبدو كأنه جزء من الحاضر ويستخدمه ليكون التواءة أو Twist تتكشف أمام المشاهدين. 

ففي هذا الزمن تظهر ابنة العالم في مرحلة الطفولة لترافقه في رحلته المحفوفة بالمخاطرة وتؤنس وحدته، على اعتبار أنها طفلة نُسيت في أثناء الإجلاء، ويندم الرجل على قراراته في الحياة ويتملكه شعور الذنب لأنه لم يتعرف عليها طوال عمره، فيستدعيها عقله كنوع من الخيالات الحية ليقضى معها أيامه الأخيرة. 

ففي مثل هذه الأحداث التعيسة، لا يحتاج المرء إلا إلى أحباء يكونون هم الوطن بالنسبة إليه. 

يبدو موقف العالِم شديد السوء إذا جاء في مقارنة مع رواد البعثة الذين يضعون عائلاتهم في أولوية اختياراتهم، فهم أيضًا يشعرون بالاشتياق لعائلاتهم، ومع انقطاع الأخبار تمامًا يزداد الاحتياج إلى مشاهدة صور تحاكي ذكريات جميلة مليئة بالضحكات الرائقة واللمسات الدافئة التي تنجح في تهدئة روعهم رغم عدم واقعيتها.

ولأن العائلة هنا هي الحصن المنيع الذي تحتمي به الشخصيات من العزلة، ولأن علاقة الآباء بالأبناء تحديدًا تشغل مساحة كبيرة من حكاية الفيلم، ترتبط مصائر الشخصيات بهذه الفكرة الحميمية، فالجميع يفعلون ما يرونه الأفضل لأولادهم، حتى وإن كان ذلك يعني العودة إلى الأرض الهالكة في سبيل الهدف النبيل. 

حتى العالِم الذي لم يقابل ابنته طوال عمره يكتشف أنه أنقذ حياتها بالتواصل مع البعثة التي يتصادف أنها من بين طاقمها.

كلوني في فيلمه The Midnight Sky
المستقبل وتقاطعات كلوني

“أرتعد خوفًا..”، تقول (مويرا) هذه الكلمات وهي تودع حبيبها الذي يختار تلبية نداء الواجب عن البقاء بجانبها في اللحظات الأخيرة قبل أن ينتهي العالم تمامًا. 

يستحضر جورج كلوني هذا المشهد من فيلم  On The Beach لستانلي كرامر، الصادر عام 1959، في صورة مقطع يشاهده أحد رواد الفضاء في أثناء فترة العزلة الطويلة. 

يبدو فيلم كرامر اختيارًا مميزًا هنا، لأنه يحكي قصة مشابهة عن نهاية العالم بفعل النووي، لكنه يقدم صورة مغايرة عن المستقبل الغامض الذي يعد محل اهتمام كبير في مثل هذه النوعية من الأفلام، فالفيلم القديم يتبنى نظرة سوداوية تتوقع هلاك البشرية لا محالة، ويرى كلوني أن النجاة حلم ليس ببعيد، وأن طبيعة الإنسان تجعله قادرًا على البدء من جديد دومًا.

يعتمد كلوني على ثنائية الموت والحياة في فيلمه، مستندًا على فلسفة لا تعتبر الموت نهاية للحياة وإنما امتداد واستمرار لها، فكوكب الأرض الذي على وشك الزوال، كان سكانه السبب في اكتشاف عوالم جديدة قابلة للسكن والإعمار. 

والعالِم العجوز، الذي يكتب الفصل الأخير من رحلته، يجتمع مع ابنته الطفلة الصغيرة التي تشرع في بدء الفصل الأول من حكايتها، وستكون هي فيما بعد المكمل لمسيرته العلمية المتميزة التي ساعدتها على الوصول إلى مستقبل أفضل، كما أنها تحمل بداخلها جنينًا ينبئ ببداية واعدة من رحم النهاية الصادمة.

يبدو أن هذا الخيار المتفائل متسقًا مع حاجتنا إلى التحلي بالأمل في هذ الظروف التعسة التي يواجها العالم، على الرغم من أن مرحلة تصوير الفيلم انتهت في بداية العام الجاري، أي قبل فرض قواعد التباعد الاجتماعي وزيادة معدلات الاكتئاب والاضطرابات النفسية. 

يستدعي كلوني أيضًا في فيلمه أغنية Sweet Caroline التي تحتفي بالحياة والأوقات السعيدة والتواصل مع الآخر، حتى وإن كان بعدها سينتقل إلى حادث مأساوي بأسلوب هوليوودي بامتياز. 

فهو لا يُسرف في جرعة التفاؤل خاصة مع وقوع كارثة بيئية بالفعل تتجلى تداعياتها في رحلة العالم وسط الهواء الملوث والجليد الذائب والأرواح التي تصارع الموت متألمة، لكنه قرر هذه المرة ألا يتعرض للسياسة مباشرة مثلما قدم في أفلام سابقة، واختار أن يتعرض إلى أزمة التغير المناخي بنحو إنساني وينبه إلى خطورتها دون خطب رنانة أو شعارات حماسية.

مشهد من الفيلم
البصمة المفقودة

كنا نصور فيلمين مختلفين إذا كنت تريد الحقيقة، كان الأمر أشبه بصناعة The Revenant ثم القيام بإنجاز Gravity في النصف الثاني”.. يعترف كلوني بتأثر فيلمه بصريًا بعملين آخرين يعتبران من أهم الأفلام الصادرة في السنوات العشر الأخيرة. 

بالتأكيد يرجع الأمر إلى تشابه الأفكار، فضلاً عن اشتراك عدد من فريق عملThe Midnight Sky فعليًّا في صناعة الفيلمين. 

يتشابه الفيلم الأول The Revenant لأليخاندرو جونزاليس ايناريتو مع خط السرد الخاص بالعالم ورحلته في الطبيعة الباردة بصحبة ابنته المتخيلة.. هذا يذكرنا على الفور برحلة صياد الفراء الذي صارع البرية الجليدية وناضل ليحقق انتقامه من قاتل ابنه، كما أن فكرة الخيالات الحية الحاضرة بقوة في فيلم كلوني، جاءت مماثلة إلى حد كبير مع هواجس الصياد عن زوجته وماضيه. 

أما بالنسبة إلى فيلم ألفونسو كوارون Gravity الذي تدور أحداثه في الفضاء، فقد استخدم العديد من تقنياته ولغته السينمائية في حكاية البعثة العائدة للأرض. 

فعلى سبيل المثال خدعة تطاير الدماء في مشهد إصابة أحد رواد الفضاء مشابهة للدموع السابحة في فيلم “كوارون”، كما أن حركة الكاميرا ودورانها حول السفينة مطابقة بشدة.

على الرغم من اعتراف كلوني بأريحية تجاه هذه التشابهات، فإن هذا أفقد الفيلم الكثير من جاذبيته البصرية وحالة الشاعرية التي حاول خلقها لتتناسب مع تيمة العزلة، فبدا كأنه تكرار لمشاهد تتجاوز الفيلمين المذكورين وتمتد إلى أعمال أخرى تتناول نفس الثيمات، مع إن موضوعه يتماس بوضوح مع الواقع ويتيح الفرصة بسهولة للتماهي مع شخصياته والتفاعل معها وتفهم مخاوفها وأفعالها.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أمل مجدي

كاتبة مصرية

مشاركة

أحمد بيكا

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram