Undine:

حين يستعيد العالم سحره القديم

“جلس وظهره إلى الباب، كان ينظر بلهفة كل مرة ينفتح الباب، إذ يمكن لماري أن تظهر مثل بعض الغرقى الذين يظهرون على الساحل أحياءً بأعجوبةٍ ما أو مثل ظلال شخص ميت أعيد من العالم السفلي بتضحية أو صلاة مستجابة. بقي جالسًا في نفس المكان ينتظر، ينتظرها…”

هكذا أنهى المخرج الألماني “كريستيان بيتزولد” فيلمه السابق Transit ببطله “جورج” (فرانز روجوفسكي) جالسًا بانتظار عودة حبيبته “ماري” (باولا بير) التي ماتت غرقًا من عالم الموتى. ولأن هذا غير ممكن في الواقع، ففي فيلمه الأحدث Undine ومستعينًا بنفس ممثليه يعيد “بيتزولد” للبطل حبيبته، مانحًا إياهما حياة أخرى، كأنهما هنا يكملان قصة حبهما السابقة عبر أسطورة ترتبط بالماء مباشرة، فبطلته هي إحدى مخلوقات الماء الأسطورية التي وجدت طريقها إلى اليابسة حيث يعمل بطله غواصًا.

بطلا فيلمي "transit، undine" في حكاية حب ممتدة

يخلق بيتزولد عالمه الفيلمي معتمدًا على أسطورة “أوندينه” التي تعيش في إحدى البحيرات في عمق الغابة، كمخلوق مائي، وحده الحب يمكن أن يمنحها روحًا وهيئة بشرية، لكن اللعنة التي تظل تلاحقها وتلاحق محبيها هي أن عليها أن تقتل من يخونها أو يتخلى عنها وفي هذا الحالة عليها أن تعود إلى عالم الماء في انتظار حب جديد.

ينقل “بيتزولد” الأسطورة الي برلين المعاصرة. لا يُميز بين ما هو واقعي وما هو مستمد من مادة الأسطورة بل يغزل الاثنين معًا في سرد أقرب للحلم. بين السطح الواقعي للحكاية والعمق الأسطوري لها توتر دائم يطفو إلى السطح في لحظات بعينها.

يفتتح “بيتزولد” فيلمه بمشهد الانفصال بين “أوندينه” وحبيبها على أحد مقاهي برلين، وهو مشهد مصور بواقعية شديدة أقرب إلى الوثائقية بكاميرا مهتزة قليلاً وشريط صوت يخلو من الموسيقى وتحتله أصوات الشارع/ الواقع، كذلك الحوار الدائر بينهما واقعي تمامًا، حتى تفاجئنا “أوندينه” بهذه العبارة التي تقولها بمنتهى الطبيعية والتلقائية: “إذا تركتني، سيكون عليّ أن أقتلك، أنت تعرف ذلك”. هنا تصعد الأسطورة إلى السطح.

“أوندينه” لا تريد أن تقتله ولا تريد أن تعود إلى الماء، لذلك تمهله أن يعيد التفكير في انفصاله عنها ريثما تذهب إلى عملها وتعود. إنها تعمل كمؤرخة، وتعمل لفترة مؤقتة كمرشدة سياحية في متحف برلين، حيث تصطحب الزوار في جولات تسرد خلالها التطور المعماري للمدينة وصولًا للحظة الآنية من خلال مجسمات مصغرة لمعالم المدينة.

مشهد من فيلم "أوندينه"

تعود “أوندينه” إلى المقهى لمواجهة حبيبها فتجده قد رحل، وفي أثناء بحثها عنده بالداخل تمر أمام حوض ضخم لأسماك الزينة وتسمع صوتًا من الماء ينادي باسمها. اللقطة مصورة من زاوية رؤية تمثال صغير لغواص صناعي داخل الحوض، يغمر صوت الماء المضطرب داخل حوض الزينة شريط الصوت ويدخل “كريستوف” الذي يعمل كغواص صناعي في هذه اللحظة التي يبدو فيها عالم “أوندينه” يوشك على الانهيار ويبدأ في الحديث معها.

يتداعى حوض أسماك الزينة لتغمرهما معًا موجة واحدة في واحد من أعذب مشاهد اللقاء الأول أو الـ”meet cute” التي عبرت شاشة السينما. تتداعى حكاية الحب بين “أوندينه” و”كريستوف” لاحقًا، لتعود “أوندينه” من حيث أتت تاركة العالم خلفها خاليًا من الأسطورة.

مشهد من فيلم "أوندينه"
مسارات للحب والدهشة

“العالم في ذاته مكان ساحر،

 إذا استطعنا أن نصف هذا السحر فقط 

سيعود العالم أكثر ثراءً من جديد”..

 الشاعر الألماني  الرومانتيكي جوزيف فون أيشندروف

نشأت المدرسة الرومانتيكية في الأدب كرد فعل للثورة الصناعية التي اجتاحت أوروبا في القرن الـ18. حلم الرومانتيكيون الأوائل باستعادة العالم لبراءته وسحره القديم. يمكننا أن نصف سينما بيتزولد الذي يعد واحد من أهم مخرجي السينما الألمانية والذي بدأ مسيرته السينمائية منتصف تسعينات القرن الماضي بأنها رومانتيكية بالمعنى الواسع للكلمة، ليس لأن عاطفة الحب تستهلك جميع أبطاله ولكن أيضًا لأنه يؤمن بإمكانية استعادة السحر القديم للعالم ولو للحظات هي عمر زمنه الفيلمي.

يؤمن بيتزولد بأن الرأسمالية قد دمرت السحر. نزعته بعيدًا عن العالم، حين جعلت كل شيء قابلاً للمتاجرة به كسلعة أو بضاعة، لذلك هناك حنين للرومانسية يسري في كل أفلامه. في هذا السياق يعد “أوندينه” هو أكثر أعماله رومانتيكية، ويشق على الشاشة من جديد، عبر أسطورة رومانتيكية، مسارات لما هو مدهش وسحري.

حسب ما تذكره “أوندينه” في جولاتها مع زوار المتحف عن تاريخ مدينة برلين أن الاسم نفسه يعني مستنقع أو بقعة جافة في مستنقع. هذا يعني أن هذه المدينة قد جففت منابع الرومانتيكية الخاص بها، وأقصت بعيدًا عالم الجنيات والحب والسحر القديم. 

عالم “أوندينه” السحري يضيق عليها، وهو ما يليق ببطلة في سينما بيتزولد الذي وصف شخصياته في أحد حواراته بأنهم “لاجئون أسقطهم العالم خارجه”. شخصياته هم مخلوقات الهامش و”أوندينه” ليست استثناء عالمها يضيق يتلاشى شيئًا فشيئًا فتعود الى أسطورتها. وبهذا يبدو تاريخ المدينة  الذي يستفيض بيتزولد في سرده عبر مشاهد طويلة هو تاريخ قمعها.

أحد مشاهد فيلم "أوندينه"

مشاهد الفيلم غارقة في غنائية رومانتيكية. يتداعى حوض أسماك الزينة فتغرق “أوندينه” وكريستوف معًا تحت موجة واحدة كتعبير عن الوقوع في الحب، ينزع شظايا الزجاج من جراحها كمن ينزع عنها أشواك حب مضى.

يسيران معًا خلال شوارع برلين في احتضان حميم كأنهما وحدهما في العالم، خلال هذا اللقطات يبقى المحيط مشوشًا، وتعكس الحركة الانسيابية للكاميرا التناغم بين الحبيبين، ثم يظهر الحبيب القديم كشبح من الماضي فيكسر هذا التناغم إلى غير رجعة.

ترانيم الحب المحاصر

قرأ بيزولد خلال التسعينات كتابًا للناقد الأدبي السويسري بعنوان “Romantic treachery- The faithless in literature” كان أحد فصوله عن أسطورة “أوندينه” باعتبارها مثالاً عن خيانة الحب. 

تلك كانت المرة الأولى التي فكر فيها “بيتزولد” في صناعة فيلم عن هذه الأسطورة التي يعرفها جيدًا منذ طفولته. لا بد من أن شيئًا ما يفتن “بيتزولد” في حكايات الحب المخذول والتي تعتبر حكاية “أوندينة” إحداها. 

أفلامه حكايات عن الحب المستحيل، حب مطارد بالأشباح، في قلب كل سردياته امرأة تحمل ندوب الحب. 

في كل فيلم من أفلامه يضع الحب تحت تهديد ما. في الأفلام الثلاثة التي سبقت “أوندينه”، وهي الثلاثية المسماة “الحب في أزمنة القمع”، ويحلو لبيتزولد أن يصنع أفلامه في ثلاثيات. في هذه الثلاثية التي تضم أفلام “phoenix، Barbara، Transit” يضع الحب في سياق سياسي مضطرب. 

في phoenix نحن في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، في Barbara نحن في زمن التقسيم تقيم “باربارا” في ألمانيا الشرقية وحبيبها في ألمانيا الغربية. وفي Transit يتخيل السرد صعودًا ثانيًا للفاشية التي تجتاح من جديد كل أوروبا.

وخلال هذه الأفلام يبدو الحب نقطة التوازن الوحيدة لبطلاته في أزمنة شديدة الاضطراب لكنه في النهاية حب مطارد بحاضره أو بأشباح الماضي.

مشهد من "Undine"

في undine وفي ذروة التناغم العاطفي بين “أوندينه” و”كريستوف” يظهر حبيبها القديم، كما لو كان أحد أشباح الماضي، يعبر أحد شوارع برلين، تلتفت هي إليه ويتوقف قلبها للحظة. شيء ما تحطم بين الحبيبين في هذا اللحظة. لعله سيبدو غريبًا في سياق غير هذا أن يتحطم تناغم الحب عبر حدث كهذا لكن في السرد الأسطوري كما في “أوندينه”، السرد الذي يبدو في مجمله كحلم أو كأسطورة منفلتة من زمن قديم تأخذ الأحداث العادية ثقلاً مجازيًّا. مجرد التفاتتها تعني أنها لم تنتهِ من حبه بعد. في أسطورة أخرى تعيد التفاتة مماثلة محبوبة “أورفيوس” من جديد إلى عالم الموتى بعد أن استعادها للحياة.

ما يضيفه “بيتزولد” للحكاية الأسطورية أنه يمنح “أوندينه” زاوية الرؤية. في الأسطورة، الحكاية مروية من وجهة نظر الرجال، يحدث ما يحدث ثم تعود “أوندينه” إلى البحيرة في انتظار الرجل الجديد الذي يمنحها حبه روحًا، كأنها مجرد انعكاس لرغبة الرجل.

هنا “أوندينه” امرأة تبحث عن الحب، ترغب أن تكون محبوبة لذاتها، امرأة تحاول أن تفلت من لعنتها. يمكننا أن نتوقف عند المشهد الذي يوقف فيه كريستيان ملاطفتها الجنسية من أجل أن يستمع إليها بانبهار وهي تتحدث، الأمر هنا أبعد من الرغبة، هناك شيء ساحر في شخصيتها هو ما يجعله منجذبًا إليها.

في مشهد النهاية، يذهب كريستوف إليها، ينادي باسمها. تمنحه تمثال الغواص الذي كان مجازًا عن حبهما. كأنها تعطيه الأمان، تتركه يذهب دون أن تقتله رغم أنه الآن في قصة حب أخرى. وكأنها قد استطاعت أخيرًا أن تفلت من لعنتها. 

تتابع “أوندينه” الآن ابتعاد كريستوف وحبيبته على الجسر حيث اللقطة مصورة من مستوى سطح الماء، ثم تغوص “أوندينه” إلى القاع ويحل الظلام. هكذا يُنهي “بيتزولد” حلمه الرومانتيكي المسمى “أوندينه”. 

حسب ما صرح “بيتزولد” هذا فيلم أول في ثلاثية جديدة. نحن في انتظار حلمين آخرين أحدهما مرتبط بالنار والآخر بالهواء.

Share on facebook
Facebook
Share on twitter
Twitter

قصة

أحمد عزت

صحفي مصري

مشاركة

بكار حميدة

بكار حميدة

غلاف رئيسي

Start typing and press Enter to search

Visit Us On FacebookVisit Us On TwitterVisit Us On Instagram